من الذاكرة الخيامية: «مدفع بواصف» الذي أسقط طائرة الفانتوم

مكان سقوط الطائرة.. وفي قلب الصورة الحاج أبوحسين علي الأمين وزوجته الحاجة فاطمة زيبارة الشاهدان على المجزرة
مكان سقوط الطائرة.. وفي قلب الصورة الحاج أبوحسين علي الأمين وزوجته الحاجة فاطمة زيبارة الشاهدان على المجزرة


1- بيتٌ على أطراف البلدة.. ومدفع صار جزءًا من الذاكرة

في أواخر ستينيات القرن الماضي، بنى المرحوم أبو واصف عقيل منزله على الأطراف الشمالية لبلدة الخيام. وكانت تلك المنطقة، في ذلك الوقت، خالية تماماً من المساكن، معزولة وبعيدة عن العمران، حتى إن الناس عندما كانوا يستدلّون على المكان يقولون: «قرب بيت أبو واصف». (يظهر ذلك في بداية الفيديو)

وعلى مسافة قصيرة من المنزل، أنشأ الجيش اللبناني مركزًا عسكريًا، وضع فيه مدفعًا مضادًا للطائرات، كنا نسميه باسم «مدفع بواصف»، نسبةً إلى قربه من منزل أبو واصف.

2- إسقاط طائرة الفانتوم عام 1973

خلال حرب تشرين (أكتوبر) عام 1973، وأثناء عودة إحدى طائرات الفانتوم الإسرائيلية من تنفيذ مهمة عسكرية فوق الأراضي السورية، ودخولها الأجواء اللبنانية وتحليقها فوق الخيام، تصدى لها الجيش اللبناني مستخدمًا «مدفع بواصف».

وبعد إصابتها، تعمّد طاقمها إسقاطها في قلب البلدة، بجانب المخفر الكائن بين الساحة وكنيسة الروم، ما أدى إلى وقوع مجزرة مروعة راح ضحيتها عدد من المدنيين الأبرياء.

أما الطياران، فقد تمكنا من القفز بالمظلتين قبل تحطم الطائرة، وسقطا غربي "الميدان" فاعتقلهما الأهالي، ونقلهما الشاب حسن علي رشيدي (ابن عمي)، بسيارته الـ«ستيشن»، برفقة شابين آخرين، إلى ثكنة الجيش اللبناني، المعروفة آنذاك باسم «القشلة»، والتي تحولت لاحقًا إلى معتقل الخيام. وبعد ذلك، قامت الدولة اللبنانية بتسليمهما إلى الجانب الإسرائيلي.

3- شهادة من قلب المأساة

بعد الحادثة، روى أبو حسين علي حسين الأمين تفاصيل تلك المجزرة، التي عايشها بنفسه وفقد فيها عددًا من أفراد عائلته، فقال:

«كانت والدتي، نايفة أسعد غريب (48 عامًا)، تجلس على الشرفة الشرقية للمنزل، بينما كان والدي حسين علي الأمين (51 عامًا) نائمًا في الداخل.

وما إن سُمع هدير الطائرات حتى هرع إلى الملجأ كل من:

عبدو حسين الأمين (18 عامًا)،

وعدنان حسين الأمين (9 أعوام)،

وحفيدهم حسين علي الأمين (4 أعوام).

اصطدمت الطائرة بدرج المنزل، وأزاحت سيارةً كانت متوقفة أمامه، قبل أن تستقر فوق سقف الملجأ وتنفجر، فقضى من بداخله جميعًا احتراقًا.

وكان بإمكان والدتي أن تنجو، لكنها ألقت بنفسها وسط النيران محاولةً إنقاذ أفراد عائلتها، فاستشهدت معهم.»

4- أطفال اختطفهم الموت في لحظة

ويتابع أبو حسين شهادته: «كانت في باحة المنزل الطفلتان سناء حسين خشيش (12 عامًا) وميساء سامي عياش (11 عامًا) تلعبان عندما سمعتا هدير الطائرات، فخافتا واختبأتا في المكان نفسه الذي سقطت فوقه الطائرة.

وفي تلك اللحظة، كان الشقيقان هشام البصبوص (13 عامًا) ونديم البصبوص (11 عامًا) عائدين من السوق، فصادف مرورهما هناك، وخوفًا من الطائرات ركضا إلى المكان نفسه، فسقطت الطائرة فوق الأطفال الأربعة، واستشهدوا جميعًا، ولم تُنتشل جثامينهم إلا في اليوم التالي.»

5- أبٌ لم يحتمل الفاجعة

ويضيف أبو حسين:

«وكان المشهد الأكثر إيلامًا عندما شاهد والد الطفلين، المرحوم عبدالله البصبوص (50 عامًا)، جثماني ولديه، فلم يحتمل هول الفاجعة، وأصيب بسكتة قلبية أودت بحياته في الحال، فشُيّع الأب وولداه معًا في جنازة واحدة.»

6- الناجون من الحريق

ورغم هول الكارثة، نجا عدد من أفراد العائلة، بعد إصابتهم بحروق بالغة، وهم:

محمد حسين الأمين (20 عامًا).

حسن الأمين (25 عامًا).

مريم حسين الأمين (عامان).

فاطمة سلمان زيبارة (21 عامًا).

7- ذاكرة لا تغيب

منذ ولادتنا، ونحن نعيش الحروب، والدمار، والتهجير، والنزوح، في معاناة قلّ أن عاشها شعب آخر، منذ قيام كيانٍ توسعيٍّ استيطاني على حدودنا.

ومع كل ما يصابنا، ببقى أبناء الخيام والقرى الحدودية متمسكين بأرضهم، متجذرين في تاريخهم، مؤمنين بأن الأوطان تُبنى بالصبر والإرادة، وأن الذاكرة، مهما أثقلتها المآسي، ستبقى شاهدة على الحقيقة، وحافزًا للأجيال القادمة على التمسك بالأرض والهوية.

المهندس أسعد رشيدي

أنقر هنا لمشاهدة فيديو عن الحادثة

المرحومة الحاجّة فاطمة سلمان زيبارة (أم حسين الأمين)، كانت بال 21 من العمر حين أسقطت الطائرة وأصيبت - توفيت في شباط 2025 أصيبت
المرحومة الحاجّة فاطمة سلمان زيبارة (أم حسين الأمين)، كانت بال 21 من العمر حين أسقطت الطائرة وأصيبت - توفيت في شباط 2025 أصيبت


تعليقات: