
على السفوح الغربية لجبل حرمون (الشيخ)، وفي أقصى جنوب العرقوب، بين بلدات الماري والسلامية وحلتا، يقع نبع سريد، أحد أشهر ينابيع الجنوب اللبناني وأكثرها غرابة وإثارة. فهو ليس نبعًا دائم الجريان كسائر الينابيع، بل ظاهرة طبيعية استثنائية، يرتبط ظهورها بامتلاء الخزانات الجوفية في أعماق جبل الشيخ نتيجة ذوبان الثلوج.
وكان أهالي المنطقة، ولا سيما في الماري والخيام والقرى المجاورة، ينتظرون تفجره عامًا بعد عام، لأنه كان يحمل معه بشائر الخير، ويعلن بداية موسم الري ووفرة المياه.
هدير يشبه الرعد
ينبثق النبع من شاهق صخري يشبه المغارة، وما إن تمتلئ الخزانات الجوفية حتى يشتد ضغط المياه على الصخور، فتتفتح الفتحات الطبيعية فجأة، لتندفع المياه بقوة هائلة، محدثة هديرًا يشبه دوي الرعد أو اختراق جدار الصوت.
وكان هذا الصوت يسمعه سكان القرى المجاورة، ولا سيما الخيام التي تبعد عنه نحو عشرة كيلومترات، فيدركون أن نبع سريد قد تفجّر، فيستبشرون بموسم زراعي واعد.
وقد وصف المعمرون قوة اندفاع المياه بأنها كانت قادرة على "جرف الجمال"، في إشارة إلى غزارة تدفقها وشدته.
أحد أهم روافد الحاصباني
يُعد نبع سريد من أغزر روافد نهر الحاصباني، إذ تلتقي مياهه بالنهر قرب المدخل الغربي لبلدة الماري، بعد أن تشق طريقها عبر الوادي الفاصل بين الماري والسلامية.
وتشير الدراسات إلى أن النبع كان يضخ ما يقارب عشرين مليون متر مكعب من المياه سنويًا، وكانت مياهه تروي مئات الدونمات الزراعية في سهول الماري، والمجيدية، ووادي خنسا، وعين عنوب، كما كان يؤمّن مياه الشفة والري لعدد كبير من القرى المجاورة.
ظاهرة موسمية فريدة
تميز نبع سريد بخصوصية نادرة؛ فهو لا يجري طوال السنة، بل يتفجر عادة في أوائل الربيع أو منتصفه عندما تبلغ الخزانات الجوفية حدّ الامتلاء، ثم يستمر لفترة قبل أن يتراجع تدريجيًا، حتى يجف مجراه خلال الصيف.
وكان الأهالي يميزون بين نبعين:
النبع العالي، الذي يخرج من رأس جبل سدانة، وكان الأقوى والأغزر.
النبع المنخفض، الذي ينبع من أسفل الجبل، ويستمر لفترة أقصر قبل أن يجف.
من الوفرة إلى الجفاف
خلال العقود الأخيرة، اختفت الظاهرة التي عُرف بها النبع، فلم يعد الأهالي يسمعون هديره الذي ارتبط بطفولتهم وذاكرة المكان.
ويرجح المختصون وأبناء المنطقة أن السبب الرئيس يعود إلى التغير المناخي، إذ لم تعد قمم جبل الشيخ تحتفظ بغطائها الثلجي كما في السابق، فتراجعت كميات المياه المتسربة إلى الخزانات الجوفية، ولم تعد كافية لإحداث الضغط اللازم لتفجر النبع.
ويقول أبناء الماري إن النبع العالي لم يظهر منذ أكثر من عشر سنوات، فيما بات النبع المنخفض يظهر أحيانًا لفترة قصيرة قبل أن يجف سريعًا.
خسائر زراعية كبيرة
أدى تراجع مياه سريد إلى خسائر كبيرة في القطاع الزراعي، واضطر كثير من المزارعين إلى التخلي عن الزراعات الصيفية التي تحتاج إلى الري، واستبدالها بمحاصيل شتوية أقل استهلاكًا للمياه.
ورغم المناشدات المتكررة، لم تنفذ مشاريع جدية للاستفادة من هذه الثروة الطبيعية أو تعويض المزارعين عن خسائرهم.
ثروة تذهب إلى فلسطين المحتلة
ومن المفارقات المؤلمة أن مياه سريد، بعد أن تجري داخل الأراضي اللبنانية لمسافة تقارب سبعة كيلومترات، تعبر الحدود لتصب في بحيرة الحولة داخل فلسطين المحتلة، بينما لا يستفيد منها المزارعون اللبنانيون إلا بنسبة ضئيلة.
وكان أهالي الماري قد أنشأوا في خمسينيات القرن الماضي قناة ري بطول ستة كيلومترات، مع سد صغير لتوزيع المياه على الأراضي الزراعية، إلا أن سنوات الجفاف، والحروب، والقصف الإسرائيلي، والإهمال، أدت جميعها إلى تدمير القناة والسد، فتحولت إلى أثر بعد عين.
وقد أعدت بلدية الماري لاحقًا دراسة لإعادة إنشاء سد صغير وترميم قناة الري القديمة بهدف استصلاح آلاف الدونمات الزراعية، إلا أن المشروع بقي ينتظر التنفيذ.
حكايات نسجها النبع
لم يكن سريد مجرد مصدر للمياه، بل كان جزءًا من الذاكرة الشعبية.
فيروي كبار السن قصة عروس كانت تعبر مجرى النبع على ظهر حصان، فجرفتها المياه الغزيرة وغرقت، بعدما تعذر إنقاذها.
كما يتداول الأهالي رواية قديمة تقول إن غرضًا سقط في نهر بردى بدمشق، ليظهر بعد مدة في نبع سريد، في إشارة إلى الترابط الجوفي بين جبل الشيخ والينابيع المحيطة به، وهي رواية شعبية تناقلها أبناء المنطقة جيلاً بعد جيل.
ذاكرة لا تغيب
بالنسبة لأبناء الخيام والعرقوب، لم يكن نبع سريد مجرد نبع ماء، بل كان حدثًا سنويًا ينتظرونه بشوق، يبدأ بصوت يشبه الرعد، وينتهي بحياة تدب في الحقول والبساتين.
واليوم، بعد أن غاب هديره، بقيت ذكراه حيّة في وجدان من عايشوه، شاهدةً على زمن كانت فيه الطبيعة أكثر سخاء، وكان جبل الشيخ يحتفظ بعمامته البيضاء معظم أيام السنة، فتفيض مياهه خيرًا على الجنوب كله.
ويبقى نبع سريد ثروةً طبيعية ووطنية تستحق الحماية، وإعادة إحياء المشاريع التي تضمن الاستفادة من مياهه، حفاظًا على الزراعة، وعلى واحدة من أجمل الظواهر الطبيعية التي عرفها جنوب لبنان.
المهندس أسعد رشيدي
خلاصة تحقيقات وشهادات: فايز أبو عباس، نادين شرّوف، طارق أبو حمدان، وسعيد معلاوي
الخيام | khiyam.com
تعليقات: