
الأستاذ فايز أبو عباس: إذا أردنا أن نستعيد صورة الخيام القديمة كما كانت قبل الحرب العالمية الثانية، فلا بد أن نعود إلى أبنيتها وبيوتها التي نشأنا بين جدرانها
إذا أردنا أن نستعيد صورة الخيام القديمة كما كانت قبل الحرب العالمية الثانية، فلا بد أن نعود إلى أبنيتها وبيوتها التي نشأنا بين جدرانها، ولعبنا في أحيائها ودروبها وأزقتها المتعرجة. هناك عشنا طفولتنا، وعلى سطح بركة البلدة كنا، في بعض أيام الشتاء القارس، نتزلج فوق الجليد، ونصنع تماثيل الثلج، ونتقاذف كراته بفرح الأطفال وبراءتهم.
وكانت البيوت تُبنى وفق الإمكانات المادية لأصحابها، ومكانتهم الاجتماعية، وحاجاتهم المعيشية، لذلك تنوعت أشكالها وأنماطها.
البيوت الحجرية ذات القرميد الأحمر
كان النوع الأول من البيوت يُشيَّد بالحجارة، ويُغطى بسقف من القرميد الأحمر، ويتألف غالبًا من طابق واحد تحيط به ساحة أو حديقة صغيرة.
أما النوع الثاني، فكان يُعرف في الخيام باسم «العَمْرة»، وهي بيوت حجرية مؤلفة من طابقين، تعلوها أيضًا أسقف القرميد.
وكانت جدران هذه البيوت تُبنى بطريقة تُعرف بـ«الكِلّين»، أي جدارين متوازيين: جدار خارجي من حجارة منحوتة ومشذبة بعناية، وجدار داخلي أقل تشذيبًا، ويُملأ الفراغ بينهما بالحجارة الصغيرة والمونة.
أما المونة، فكانت نوعين:
مزيج من الكلس والرمل يُستخدم بين الحجارة لتثبيتها.
أو طين من التربة البيضاء ممزوج بالتبن، يُستعمل لتسوية الجدران الداخلية وجعلها ناعمة قبل طلائها.
الأسقف الخشبية والقرميد
كانت الأسقف تعتمد على جذوع أشجار الحور التي تُرص جنبًا إلى جنب، وبينها طبقات من القصب أو النباتات المقاومة للضغط.
فإذا كان البيت من طابقين، كانت أرضية الطابق الثاني تُنشأ من أخشاب مصقولة تُغطى بالبلاط، ثم يُسقَّف الطابق الثاني أيضًا بجذوع الحور التي تعمل كجسور تحمل طبقات الخشب والقرميد.
أما البيوت ذات الطابق الواحد، فكانت تُغطى مباشرة بجسور خشبية قوية، تعلوها طبقات الخشب ثم القرميد، المرتب بعناية وفق أسلوب يمنع تسرب مياه المطر والثلوج ويقاوم الرياح والعواصف.
بيوت الفلاحين
أما بيوت الفلاحين، فكانت أكثر بساطة، وتتألف عادة من:
غرفة رئيسية للسكن.
البايكي (حظيرة الحيوانات).
التبانة (مخزن التبن).
ساحة داخلية تُسمى الدار، قد تُزرع فيها بعض الأشجار الظليلة كالكينا أو الزرنزخت.
وفي الخلف حديقة أو بستان يضم مختلف الأشجار المثمرة.
الغرفة الواحدة... قلب البيت
كانت الغرفة الرئيسية تؤدي وظائف متعددة في آن واحد؛ فهي غرفة استقبال، وغرفة نوم، وأحيانًا مطبخ، بل وحتى مكان للاستحمام في الشتاء.
وإذا كانت واسعة، يتوسطها عمود حجري أو أكثر، وقد تُقام فيها قناطر حجرية تحمل السقف، وهي من أجمل عناصر العمارة التقليدية.
وكان السقف يُنشأ من جسور خشبية، بعضها مشغول على هيئة عوارض مربعة، وبعضها من جذوع الأشجار المهذبة، ثم تُغطى بطبقة من القصب، تعلوها طبقة سميكة من التراب الأبيض الممزوج بروث الحيوانات، فتكوّن سطحًا متماسكًا يمنع تسرب المياه، مع ميلان خفيف يسمح بتصريف مياه الأمطار.
وكان أصحاب البيوت يداومون على دكّ السطح بأداة خاصة تُسمى المِحدلة أو المِجدلة، للمحافظة على صلابته وتماسكه.
«الداخون»... قلب الدفء
ومن أهم ما كان يوجد داخل البيت الداخون، وهو الموقد الحجري الذي استُلهم منه فيما بعد تصميم «المدفأة» أو «الشيمينيه» الحديثة.
وكان يُستخدم للتدفئة شتاءً، كما تُحضَّر عليه بعض المأكولات.
«الكواير»... خزائن القمح
ومن أبرز مكونات البيت القديمة الكواير (مفردها: كَوَّارة)، وهي صناديق كبيرة تُبنى داخل الجدار من القصب والخشب، ثم تُغطى بالطين الممزوج بالتبن من الداخل والخارج.
وللكوارة فتحة علوية واسعة تُسكب منها الحبوب، وفتحة صغيرة في الأسفل تُغلق عادة بقطعة قماش ملفوفة، تُفتح عند الحاجة لخروج القمح أو الشعير أو الذرة.
وكانت الكواير بمثابة صوامع منزلية تحفظ مؤونة الأسرة طوال العام.
الخزائن والمنشل والإبريق
وكانت الجدران تتضمن خزائن مبنية داخلها لحفظ الفرش واللحف والشراشف.
كما لم يخلُ بيت من المنشل، وإلى جانبه جرة الفخار المخصصة لحفظ ماء الشرب، وبالقرب منها الإبريق الذي يستعمل للشرب أو الوضوء.
غرفة الضيوف
كانت غرفة الاستقبال تُفرش بصفوف من الطراحات والوسائد على ثلاث جهات، بينما تتوسطها سجادة أو حصير مصنوع من النباتات وأغصان الأشجار.
وأمام الباب الخشبي كانت توجد فسحة نصف دائرية مرصوفة بالحجارة الملساء، تنتهي بمجرى صغير لتصريف مياه الغسيل إلى الدار أو الزقاق، وكانت تُستخدم أيضًا للاستحمام خلال الشتاء.
البايكي والتبانة
أما البايكي، فهي حظيرة الحيوانات، وكانت تضم معلفًا أو أكثر موزعًا على الجدران وبين الأعمدة أو القناطر، بحسب مساحة المكان وعدد الحيوانات.
وكان من النادر أن يخلو بيت من بقرة أو عنزة أو غنمة أو حمار، وأحيانًا حصان، لأن الحليب واللبن واللبنة والكشك كانت تشكل أساس المؤونة الشتوية.
أما التبانة، فهي غرفة صغيرة تُخزن فيها كميات التبن اللازمة لإطعام الحيوانات، ولها فتحة في السقف لإدخال التبن، ونافذة صغيرة في الأسفل لسحبه عند الحاجة.
حياة كاملة تحت سقف واحد
كانت تلك البيوت، رغم بساطتها، عالمًا متكاملًا يجمع السكن والعمل والزراعة وتربية المواشي وتخزين المؤونة. وكانت تعكس نمط حياة قائمًا على الاكتفاء الذاتي، والتعاون، والارتباط الوثيق بالأرض.
وفي بحثٍ لاحق، سنتناول جانبًا آخر من حياة الخيام القديمة، وهو «العِجال» وراعي العِجال، ودورهما في الحياة اليومية لأهالي البلدة.
الأستاذ فايز أبو عباس
الخيام | khiyam.com
تعليقات: