كامل جابر: النبطية بثوب الغبار حين يصير الأبيض لون الحزن

صورة: كامل جابر
صورة: كامل جابر


ليس الأسود بحدّ ذاته تعبيراً وافياً عن حزن يتملّك مساحة ما، إنسانيّة أو جغرافيّة أو تاريخيّة؛ فالأبيض مثلاً وعلى رغم دلالاته على مناسك السلام والطهارة، فاللون المغبّر منه يترافق مع سقوط الديار والأبنية عنوة، وما الكسوة التي تحلّ بعد هدوء عصفه على المكان، غير مساحة لا تنمّ إلّا عن حزن مدقع أو خراب، وبخاصّة عندما يتأتّى هذا الدمار من عدوان وهدم بالإكراه...

في الساعات الـ72 التي سبقت توقّف هدير الطائرات المتوحّشة والمدافع العمياء، ويقال بإنه التزام بقرار وقف إطلاق النار، وهو لم يتوقّف، تعرّضت مدينة النبطيّة لأعتى عدوان دمّر فيها أكثر ما دمّر السوق الاقتصاديّة بمبانيها ودكاكينها ومتاجرها، الممتدّة من مطلّ "شارع حسن كامل الصبّاح، حتّى النبطيّة الفوقا شرقاً؛ مروراً بساحة المدينة ومتفرّعاتها نحو حيّ السراي الأقدم، أو حيّ الميدان شرقًا، أو باتّجاه البيدر ونزلة السوق نحو المدرسة المهنيّة و"بئر القنديل" غرباً؛ وبشارع مرجعيون الذي تبدّلت أسماؤه كثيراً بحسب الأهواء السياسيّة وظلّ أبناء المدينة يعرفونه بشارع أو طريق مرجعيون، إذ كان سابقاً المعبر الوحيد من النبطيّة نحوها باتجاه الشرق.

أدمى هذا العدوان النبطية بسبب عشوائيّة الاستهداف ومقاصد الأذيّة بالشريان الحيويّ الاقتصاديّ لعاصمة جبل عامل ومركز المحافظة، وتفتيتاً لذاكرة ثقافية تمتّعت بها النبطيّة منذ عهود جليلة، انطلقت من ساحتها المطوّقة بالمدارس، المتفرّعة نحو الأندية والجمعيّات ودور السينما، الشاهدة على كلّ تظاهرة واحتجاج تضامناً مع فلسطين تارة، وثورة الجزائر والثورات العربّية طورًا، واستنكاراً لكلّ عدوان على العرب وفي أيّ زاوية من أصقاع المعمورة، وعلى أيّ ظلم إنسانيّ بحقّ مزارعيّ التبغ وحقوق المعلّمين والعمّال والمهمّشين، وقبل كلّ هذا أو ذاك، بمواجهة الانتداب الفرنسيّ من أجل تحقيق الاستقلال.

النبطية بثوبها الحزين، بعد عشرين عاماً على دمار حلّ بها جراء عدوان تموز (يوليو) 2006، ثمّ بعدوانيّ الـ66 يوماً 2024 والـ110 أيام 2026، والأخير لم يتوقّف حتّى الآن...

نص وصورة: كامل جابر

تعليقات: