
انطلاقاً من تجربته الأكاديمية في كليّة الفنون الجميلة والعمارة في الجامعة اللبنانيّة
أين تنتهي حرّيّة طالب الفنون وتبدأ ضرورة إتقان أدواته؟ انطلاقاً من تجربته الأكاديمية في كليّة الفنون الجميلة والعمارة في الجامعة اللبنانيّة، يناقش يوسف غزاوي حدود التجريب والفنّ المعاصر، محذّراً من «حرّيّة مطلقة» قد تتحوّل، برأيه، إلى قطيعة مع أسس الفنّ التشكيليّ والتكوين الأكاديمي
قرَأنا أخيراً مقالة في صحيفة «الأخبار» تتناول أعمال خرّيجي أحد فروع كليّة الفنون الجميلة والعمارة في الجامعة اللبنانيّة، متحدّثةً عن أعمال طلّاب (قسم الماستر)، مركّزة (المقالة) على دور وأهمّيّة «الحرّيّة» في العمل الفنّيّ... دائماً ما أردنا تناول هذا الموضوع، والتعليق عليه نظراً إلى أهمّيّته من نواحٍ عدّة.
ما يهمّنا هنا هو أيضًا الإشارة إلى عدّة أمور تتعلّق بهذه الكلّيّة في بيروت، ومستوى طلّابها ونوعيّة العطاء فيها. لا شكّ أنّ لهذه الكلّيّة دورًا كبيرًا في تخرّج فنانين مرموقين ولامعين (أو بالتحديد، مشروع فنّانين، على حدّ قول أحد أساتذتها) منذ تأسيس معهد الفنون الجميلة، في ستّينيّات القرن الماضي (1965)، قبل تقسيمه (نعم، تقسيمه)، وتفريعه إلى فروع أربعة، لا حاجة لنا بها في هذه العاصمة، إن لم نقل في هذا البلد الصغير الحجم «لبنان»، الذي تبلغ مساحته نصف مساحة مدينة «إسطنبول» التركيّة على سبيل المثال...
قد يكون التفريع في بلد طبيعيّ أمراً طبيعيّاً، لكن هذا الشيء لا يندرج علينا للأسف الشديد، لأسباب عدّة يعرفها القاصي والداني؛ فمن المعروف أنّ هذا التفريع لكلّيّات الجامعة اللبنانيّة أتى بعد الحرب الأهليّة المشؤومة، التي أدخلت البلد والوطن في مشكلات وانقسامات وتوتّرات، نتج منها ما نتج من تباعد في الأفكار والطروحات والمواقف كون البعض يرى أنّه لا يشبه الآخر!
تُعتبر كليّة الفنون من الكلّيّات الأبرز على صعيد العطاء الإنسانيّ الجماليّ والحضاريّ والفكريّ (كثير من المفكّرين والمخترعين أخذوا من الفنّانين أفكارهم ورؤاهم، والأمثلة كثيرة، والعكس صحيح، بعمليّة التبادل)، هذا العطاء الفنّيّ الذي رافق الإنسان منذ وجوده الأوّل في المغاور والكهوف، وما يزال وسيلة تعبير، وهمًّا إنسانيًّا وجوديًّا لازمًا للمجتمعات والأفراد.
الحريّة... وحدود التكوين الفنّي
نعود إلى المقالة المذكورة، التي كانت سبباً لهذه الكلمات. ما نودّ قوله هو التعليق على مفهوم «الحريّة» التي يتغنّى بها البعض من دون الانتباه إلى أثرها السلبيّ. لقد واكبنا العمل في الفروع الأربعة في كلّيّة الفنون، وكنتُ أحد الأساتذة المولجين بقضيّة التحكيم في الفروع من خلال ما يُسمّى «الانتداب» حيث يعمل كلّ فرع على إرسال أستاذ للفروع الأخرى، نهاية العام الجامعيّ، بمهمّة المشاركة في التحكيم، وهذا شيء ضروريّ ومفيد. شاهدتُ وعاصرتُ الكثير من الأعمال والتجارب لمتخرّجين، ولا شكّ في أنّ الأعمال تختلف من طالب إلى آخر، ومن فرع إلى آخر. ولا شكّ في أنّ وجهات النظر مختلفة من فرع لآخر، بل من أستاذ لآخر، لكنّ الإطار العام يبقى محصوراً ضمن ما يقرّره أساتذة القسم في الفرع.
أعمال حوّلت الفرع الأوّل إلى متحف في الهواء الطلق
أمّا قضيّة «الحرّيّة» في العمل، فلها خطورتها رغم أهمّيّتها في العمل والعطاء الإنسانيّ والخلق والإبداع، لكن هذا المفهوم قد ينعكس سلباً على الطالب إذا فهمه بشكل مغاير، وتعامل معه بشكل خاطئ. قد يُقصد بمفهوم الحرّيّة في هذا الفرع غمز من الفروع الأخرى. فكوني كنتُ أستاذًا محاضرًا في أحد الفروع قبل تقاعدي منذ سنوات قليلة، يمكنني القول إنّ الحرّيّة تُعطى للطالب، لكن ضمن حدود معيّنة، وأقصد بذلك المستوى الفنّيّ، ليس إلّا، كيلا يُساء فهمي.
للطالب حقّ اختيار الأسلوب الذي يناسبه ويريده، والمُرسلة التي يرتئيها لإيصال أفكاره ضمن مفهوم معيّن، وطبعاً ضمن احترام المجتمع الذي ينتمي إليه دون خدش بالمبادئ والمعتقدات. نطلب منه المحافظة على قضيّة اللون والخطّ والتأليف، إلخ، لأننا نتعامل مع هذه المفردات التي تتألّف منها اللوحة، إن لم نقل «العمل التشكيليّ».
لكن أن تصل الأمور إلى حدّ تعليق تفاحات مدلّاة بواسطة خيطان من السقف بحجّة ما يُسمّى «عملًا تجهيزيّاً» معاصراً، لهو ضعف وقتل للفنّ التشكيليّ الذي عرفته العصور... هذا ما حصل في أحد الفروع أثناء أحد التحكيمات منذ سنوات كنتُ خلالها عضوًا في لجنة التحكيم، كما ذكرتُ سابقًا. كانت النتيجة حصول الطالب، صاحب بسطة التفّاح، على المرتبة الأولى! بالنسبة إليّ، هذا شيء لا أقبله من طالب في الكلّيّة.
قبل «معمعة» المعاصرة
نأمل ألّا يُفهم من كلامي تحاملًا على هذا الفرع أو ذاك، أو رفضاً للفنون المعاصرة؛ فلديّ أربعة مؤلّفات في فنون الحداثة وما بعدها والمعاصرة، اثنان من هذه المؤلّفات قامت الجامعة اللبنانيّة، مشكورة، بنشرها على نفقتها الخاصّة، ولي مقالات صحافيّة دائمة في هذا الخصوص في الصحف اللبنانيّة والعربيّة، إضافة إلى تجربتي الفنّيّة المتواصلة. نطلب من طلّابنا في الفرع الأوّل احترام والتزام المعايير الفنّيّة التي درسوها على مدى سنوات خمس قبل تخرّجهم وتحضير مشروع التخرّج. أمّا بعد تخرّجهم، فلهم الحرّيّة في تقديم ما يريدون.
على الطالب تعلّم كيفيّة الرسم والتصوير والتأليف عبر الخطّ واللون والشكل، وأمور أخرى كثيرة، وإتقان البراعة الفنّيّة قبل دخوله الحقل ومعمعة المعاصرة. يقول بيكاسو، ردّاً على سؤال: «طالما أنّي أستطيع أن أرسم اليد كما رسمها الفنّان رفاييل، فإنّه يحقّ لي أن أرسم ما أُريد وكما أُريد». لكنّ الأمر لم يصل به إلى تحوّله إلى بائع تفّاح أو موزة مُعلّقة على الحائط في أحد المتاحف، أو براز الفنّان بييرو مانزوني المعلّب للبيع!
التقيتُ إحدى المرّات بطالبة لبنانيّة- فرنسيّة، درست في كلّيّة الفنون الجميلة في باريس، وبعد رؤيتها لأعمال طلّابنا في الفرع الأوّل، أشادت بهذه الأعمال قائلة إنّها أفضل من أعمال طلّاب الفنون في باريس... والسبب هو بطبيعة الأمر الجدّيّة والالتزام بالمعايير المطلوبة منهم، وليس الحرّيّة المطلقة، وصولًا إلى أعمال التجهيز الخطرة على الفنّ ومبادئه وأسسه، أو بقعة لونيّة مقذوفة على المسطّح الأبيض!
سأذكر هنا عملًا واحدًا قام به طلاب فرعنا أثناء الاحتفال باليوبيل الذهبيّ للكلّيّة. عمل أدائيّ تشكيليّ غلبت عليه لعبة اللون والشكل والإبداع التصويريّ.... وصل هذا العمل إلى العالميّة من خلال وسائل التواصل الاجتماعيّ لدرجة أنّ إحدى الدول الأوروبّيّة نسبته إلى طلّابها! وقد تجاوز عدد اللايكات عشرات الملايين. عمل مرموق أخّاذ فيه إبداع يُراعي أسس الفنّ التشكيليّ كما أوردنا...
الفرع الأوّل... متحف في الهواء الطلق
وما دمنا ذكرنا الفرع الأوّل، نرى من اللزوم الحديث عن بعض مميّزاته وعلاماته المرموقة، ونعني بذلك مجموعة الموزاييك الموجودة في باحته، التي تُحاكي أعمال فنانين عالميّين، ولكن بلغة الموزاييك الفذّة والأخّاذة التي عرفها تاريخ الفنّ قديمًا، تأتي على رأسها الجداريّة التي تُمثّل لوحة الفنّان فان غوغ المعنونة «ليلة مرصّعة بالنجوم». وهناك عمل موزاييك آخر حاكى لوحة الـ«موناليزا»، أو الـ«الجوكندا» للفنّان «دافنشي»، والذي يكاد يُعتبر الأوّل بحجمه ونوعه في العالم المُنفّذ بهذه التقنيّة. يُضاف إلى هذه الأعمال رسوم غرافيتي في موقف السيّارات على مدخل الكلّيّة.
ولا ننسى ذكر أعمال «الفيتراي»، أو «الزجاج المعشّق»، التي أقامها الطلّاب بشكل مُشترك؛ هذه المادّة التي أُضيفت إلى برنامج قسم الفنون التشكيليّة أخيراً بمبادرة من صاحب هذه الكلمات أثناء تعليمه في الكلّيّة. أعمال حوّلت الفرع الأوّل إلى متحف في الهواء الطلق، وأعطته الهويّة الحقيقيّة. أعمال طلّاب هذا الفرع تحصل دائماً على تنويهات وجوائز محلّيّة وعالميّة، بالاختصاصات كافّة، كأن نذكر، على سبيل المثال، جائزة «الجادرجي» لمتخرّجي قسم العمارة... والفضل بطبيعة الأمر يعود إلى نشاط الطلّاب وجدّيّتهم وتفانيهم وإخلاصهم لدراستهم ولجامعتهم، وبالأخصّ توجيهات الأساتذة التي لا تدع الحرّيّة لهم، ونعني بها الحرّيّة البعيدة من روح الإبداع والتخصّص، كما أسلفنا.
وعلى ذكر الموزاييك، نشير إلى الأعمال التي قام بها طلّاب الفرع الثالث في طرابلس في شوارع المدينة أعطت رونقاً وتميّزاً لهذه المدينة، الفيحاء.
الفنّ بين التجريب وضياع المعايير
نعود إلى قضيّة الحرّيّة في أعمال طلاب الفنون، لنضيف، أنّنا قد نقبل بتجربة كلاين التي غلب عليها الأداء والتجهيز، ونعني بذلك طباعة جسد الفتيات العاريات باللون الأزرق على القماشة حيث نرى أثرًا لمبادئ الفنّ لكن بطريقة مُبدعة ابتكاريّة، لكنّي لا أقبل تجربته حول اللون الواحد والمستعادة من تجارب سابقة لتيّار فنّيّ (المفكَّكون) يعود إلى القرن السابق عليه...
رغم كلّ شيء، نحمد الربّ على وجود طلّاب ما زالوا أوفياء للفنّ التشكيليّ في بلد يقتل الفنّ والفنّانين والفكر و«الهويّة» الجماعيّة والفرديّة... بسبب ما مررنا به، ونمرّ به، من لعنات ومشكلات أمنيّة وسياسيّة ودينيّة، وأهمّها الاقتصاديّة، يُمكنها أن تُدمّر المجتمعات المسمّاة «محصّنة» في هذا العالم المجنون.
طوبى لطلّاب الفنون، وطوبى للجامعة اللبنانيّة، ولمحبّي الفنّ... طوبى لمن يعمل على شفاء هذا الوطن من خلال الفنّ والجمال اللازمين لتطوّر المجتمعات وتهذيبها. أمّا قضيّة السوق ولعبته ودخول الخرّيجين إليه فيما بعد، فله حديث آخر، كنّا قد أشرنا إليه مطوّلًا في مقالة لنا نُشرت أخيرًا في الصحافة، برسم القيّمين والحريصين على الفنّ!
* فنّان تشكيليّ وأكاديميّ
الخيام | khiyam.com
تعليقات: