
المهندس عدنان سمور
لا زلت أذكر أول مرَّةٍ ذهبت الى مطل الجبل ، حيث وقع نظري على امتداد المدى من الخيام ، الى سهل الوطى ثمَّ إلى جبل الشيخ شرقاً ، والى سهل الحولة في فلسطين جنوباً ، فتَركَتْ هذه المشهدية الرائعة أثراً كبيراً في نفسي ، حيث كان العالم المتشكل في وعيي قبلها لا يتعدى كونه عبارة عن حارتنا وبعض الحارات القريبة منها لا أكثر ، لذلك فوجئت بمدى الأفق البعيد وامتداد السهول والهضاب المحيطة بالخيام ، التي تعطي الخيام جمالها وخصوصيتها ورونقها وجاذبيتها ، ولاحقاً علمت أن حدود دولة لبنان الكبير في إعلانها الأول ، أيام الجنرال هنري غورو على درج قصر الصنوبر في بيروت ، كانت تشمل سهل الحولة حتى بحيرة طبريّا ، لكن بضغطٍ من الإنكليز والحركة الصهيونية على السلطات الفرنسية ، تم اقتطاع سهل الحولة من لبنان الكبير وضموه الى فلسطين ليصبح لاحقاً جزأً من الكيان الصهيوني بناءً على وعد بلفور ونظراً لحاجة الكيان المستقبلية لمصادر المياه والأراضي الخصبة ، وكنا نعيش طفولتنا في تلك المرحلة ، في عائلات تمر في حالة تحول متسارع ، من المجتمع الزراعي والرعوي ، إلى مجتمع تكثر فيه الوظائف الرسمية وتتنوع فيه الحِرَف الجديدة الناشئة عن تطور اساليب ووسائل الحياة المعيشية الجديدة ، مثل السيارات والأدوات الكهربائية والمنزلية ، ومن خلال تطور وسائل الصناعة والزراعة بأشكالها المختلفة ، وكان للنمو التعليمي الذي حصل نتيجة تطور وسائل وأساليب التعليم ، أثر كبير في تغيير حياة الناس ، وارتقاء معدل الوعي الإجتماعي والثقافي والسياسي والمعرفي ، في مرحلة التحول هذه ، التي كانت تجري بوتيرة سريعة ، كان معدل عدد أفراد الأسرة لا يقل عن ثمانية ، الأمر الذي كان مُرهقاً على الوالدين وخاصة على الأم ، التي تمثل السلطة التنفيذية في الأسرة ، حتى يكبر البنات ويتشاركن معها في حمل تنفيذ الواجبات المنزلية ، والأب الذي يمثل السلطة التقريرية ، حتى يبدأ وعي الأبناء والبنات بالتفتح ، فيبدؤون بتوجيه النقد لأفكار وسلوك الأهل ويطالبوا بضرورة إشراكهم في قرارات إدارة الأسرة ويطالبون بضرورة أن يتفهَّم الأهل ضرورات العصر الجديدة والتطورات التي طرأت ، والأولاد هم عامة الشعب الذين يجب ان يَتَربوا جيداً ، وتؤمَّن احتياجاتهم ، ويتابعوا تعليمهم ، ويتأهلوا ليصبحوا كفوئين في تأسيس أسرٍ ناجحةٍ في المستقبل ، ويكونوا عناصر فاعلة ومؤثرة ومساهمة في خدمة وتقدم مجتمعهم ، وبقدر ما تكون عملية تربية الأسر تجري بانسجام وتفاهم بين أفراد الأسرة ، ووعيٍ للمتغيرات الحاصلة في طبيعة الحياة ، تكون التجربة الأسرية أكثر نجاحاً ، وأكثر صِحَّةً ، وأكثر خدمة للمجتمع ، ومن مشاهد الطفولة الجميلة التي كلما تذكرتها أشعر بفرحٍ ومتعةٍ عميقةٍ ، يصعب وصفها ، وهي التي بنت أول مداميك تعلُّقي بالخيام وبطبيعتها ، وبوالديَّ خاصةً ، وبأسرتي بشكل عام ، وهي أن أمي كانت تحب ورق العريش (العنب) وتُكثر من طهوه في فصلي الربيع والصيف ، وكانت لكثرة مشاغلها ، ولعدم توفر ورق العريش في السوق ، تطلب مني أن أذهب إلى القلاعي المحيطة بطريق مطل الجبل ، حيث يوجد الكثير من كروم العنب ، فكنت أذهب أحياناً وحيداً وأحياناً برفقة بعض الأصحاب من الحارة ، وكنت قد إستَحبَيت مجموعة عرائش في قلعة أبو سهيل خشيش ، تقع مقابل قلعة كان يسكن فيها والد أبو رضا المنجد رحمه الله (إستحبيت يعني عيَّنت وحدَّدت عرائش وعقدت العزم في نفسي أن أقصدها كل مدة لأقطف منها ورقاً لأمي) ومن صفات هذه العرائش أن لون ورقها أخضر غامق يميل إلى الزرقة ، وهي طرية ، وخلفيتها مكسوَّة بطبقة رقيقة من الزغبر الأبيض ، فكنت أقطف الورقة بدون الغصن الذي يحملها ، وأرتب مجموع الأوراق فوق بعضها ، وأضعها في كيسٍ ورقيِّ حتى يمتلىء ، وإذا صادف ووجدت بعض خِصل العنب الناضجة ، كنت أقطفها وآكلها وكانت حباتها صفراء وكبيرة وحُلوة ، وكنت أعود فرِحاً إلى البيت ، وأمرُّ في حكورة الشطور التي كانت تزرع في الربيع أحياناً بالباقية (علف للمواشي) ، وكان ينبت بين الباقية وردة برِّية لونها ليلكي ، كان يجذبني جمالها ، فأقطف باقة منها لتزيِّن بها أمي مزهرية أو كوب ماء في بيتنا ، وإذا صادفتُ في حقل الباقية ، بعض جبوب المسوبعة أو خبز الدبة أو إم قرينة أو حِشِّي مِشِّي ، كنت أقطف منها والتهمها بفرحٍ ، وقد يبقى شيء منها أحمله معي إلى البيت ، وأذكر في إحدى المرَّات فيما كنت عائداً وحيداً من قطف ورق العريش ومشغولٌ في قطف الورد الليلكي من حقل الباقية ، وإذ بي أسمع صوت إنفجاراتٍ قويةٍ جِداً آتيةً من جهةِ جبل الشيخ ، فنظرت الى الجبل وإذ بي أرى كتلاً ضخمةً من اللهب والدخان المتصاعدة ، والناتجة عن قصف الطيران الصهيوني لمحيط بلدة كفرشربا ، ولا حقاً علمت أن هذا النوع من القصف ، هو قصفٌ بقنابل النابالم الحارقة والمحرَّمة دولياً ، وهكذا إنتقل بي المشهد من تأمل الطبيعة وجمال الورد ، إلى عنف الحرب وتوحشها وقسوتها ، وقد ارعبني المشهد ، فركضت مسرعاً نحو البيت ،
حاملاً كيس ورق العريش وباقة الورد الليلكي الغير مكتملة ، واخبرت أمي بما حصل لي ، فهدَّأت روعي ، وبعد هذه القصة القصيرة التي آمل أن يكون لها ملحقاتٍ ، تكمل مشهد تشكل وعي جيلنا وتداخل عناصر تطور وسائل العيش والتجربة الإجتماعية الغنية التي رافقت هذا التطور ، وكيف دخلت الحرب كعنصرٍ ضاغتٍ ومخرِّبٍ ومهدِّد لوجودنا كخياميين ، ولكن كان على جيلنا والأجيال التي تلته ، أن يحول كل هذا التهديد إلى فرصة ، وأن يبقى يعمل بعزمٍ وإرادة صلبة لتخطي الصعاب ، ومتابعة مسيرة النمو والتطور والتقدم ، وأن لا ينهزم أمام الظروف الصعبة والمعقدة ، وأن لا يكل ولا يمل من إعادة البناء والتمسك بالأرض والقيم ، مهما عظمت التضحيات .
ع.إ.س
باحث عن الحقيقة
29/06/2026y
الخيام | khiyam.com
تعليقات: