الشاعرة هدى صادق: شجرة الميسة.. هي ذاكرة الخيام

الشاعرة هدى صادق: شجرة الميسة.. الاسم الآخر للخيام
الشاعرة هدى صادق: شجرة الميسة.. الاسم الآخر للخيام


شجرة الميسة، لمن لا يعرفها، ليست شجرة فحسب، بل هي ذاكرة الخيام الواقفة على جذور من زمن لا يشيخ. مرّ عليها من العابرين ما لا يُحصى، وخفّت تحت ظلّها أقدام أجيال كاملة، حتى صار كثيرون يظنّون أنّ الطريق طويل، ثم يكتشفون أنّها الطريق نفسها، تبدأ من الجذور ولا تنتهي.

في بلدة الخيام، كانت علامة لا تحتاج إلى لافتة. يكفي أن يرى العائد جذعها حتى يعرف أنّه عاد إلى نقطة قديمة من روحه، وإلى مكان يشبه البيت، حتى وإن لم يكن بيتاً.

كانت تقف في قلب الحواري الجنوبية كأنّها حارسة لما لا يُحرس، تحفظ ضحكات الأطفال حين كانت الأزقّة أوسع من أحلامهم، وطرطقة البنانير التي كان الفتيان يلهون بها، وخطى النساء وهنّ يصعدن إلى الأسطح لتجفيف الكشك، وصوت الرجال العائدين من يوم ثقيل، يحملون الغبار على أكتافهم، فتستقبلهم بظلّها الوارف، وكأنّها تمنحهم فسحة ليلتقطوا أنفاسهم.

لم تكن مجرّد ظل، بل كانت أرشيفاً للريح، وبوصلة للوصول إلى الوطن، وهمزة وصل بين الأصل وما استقرّ تحت التراب. كانت كل ورقة فيها صفحة من حكاية، وكل غصن يحمل شيئاً من أنفاس الذين مرّوا بجوارها، حتى بدا وكأنّها تحفظ من الوجوه والذكريات أكثر مما تحفظه البيوت.

وربما احتضنت يوماً عاشقاً خطّ أول حرف من اسمه واسم حبيبته على جذعها، لتبقى الشهادة حيّة في وجه النسيان، وكأنّ ذلك النقش صار عقداً غير مكتوب للحب والانتظار، يمرّ عليه الزمن ولا يمحوه.

وكأنّ العالم ينتهي عند حدود ظلّها، وأنّ الطمأنينة تبدأ هناك، تحت أغصانها، حيث جلس الناس واستراحوا وناموا مطمئنين، لأنّها كانت تبدو أكبر من خوفهم وأرسخ من تقلّبات الأيام.

كم حمل الليل من أسرار البلدة وهو يمرّ بقربها، وكم احتفظت الريح بما دار حولها من همسات، وكم خبّأت في صمتها صدى الخطوات الخافتة، حتى بدا أنّ المكان كلّه يأتمنها على ذاكرته. وحتى الريح، حين كانت تعبر بين أغصانها، لم تكن تمرّ بلا احترام، بل كانت تخفض صوتها، كأنّها تمرّ بجوار حكيم قديم لا يليق به الضجيج.

ولو كانت الذاكرة تُرى، لكانت شجرة الميسة صورتها الأوضح، ولو كان الزمن يُلمس، لكان ملمسه في خشونة جذعها ودفء ظلّها. فهي لم تكن شاهداً على الخيام فحسب، بل كانت جزءاً من معناها، وحافظة لروحها، حتى صار من ينظر إليها يرى البلدة كلّها مختصرة في جذورها وأغصانها.

وإذا سأل أحد يوماً: ماذا بقي من الخيام؟ فلعلّ الجواب يبدأ من هناك، من شجرة بقيت تحمل في ظلّها وجوه الذين مرّوا، وأصواتهم، وأحلامهم الصغيرة، بعدما تحوّلوا إلى نور خافت يسكن المكان.

وحتى لو رحل كل شيء، ستبقى شجرة الميسة، لا أثراً من الماضي، بل حقيقة ترفض أن تُمحى، وكأنّ البلدة كلّها كانت فكرة، وكانت هي برهانها الأصدق، وإن تمّ اجتثاثها، للأسف.

بقلمي، ابنة الخيام

هدى صادق

صورة من عشرات العقود تظهر فيها البركة (حيث تم على أرضها بناء المدرسة لاحقا)، شجرة الميسة، حسينية الخيام وحيث تم بناء السنتر أيام الاحتلال
صورة من عشرات العقود تظهر فيها البركة (حيث تم على أرضها بناء المدرسة لاحقا)، شجرة الميسة، حسينية الخيام وحيث تم بناء السنتر أيام الاحتلال


تعليقات: