
خرائط سيطرة العدو: على ماذا تفاوض سلطة الوصاية؟
لا توجد خريطة واحدة تحدد مناطق الانتشار أو حدود السيطرة الإسرئيلية، بل أربع خرائط متداخلة تكشف آلية مختلفة لإدارة الجنوب: شريط احتلال بري، وفضاء واسع للسيطرة بالنار، وخريطة للمواقع التي يصنّفها الاحتلال أهدافاً دائمة، وأخرى لمناطق يجري توظيفها في المفاوضات
لم تعد خرائط انتشار العدو في الجنوب مجرد وثائق عسكرية تُستخدم لإدارة العمليات الميدانية، بل تحولت إلى جزء من معركة سياسية وتفاوضية تسعى تل أبيب عبرها إلى تكريس مفهوم جديد لـ«المنطقة الأمنية». غير أن العدو يتعمد عدم نشر خريطة نهائية ومحدثة توضح مواقع انتشار قواته وحدود سيطرته، كما أنه لا يعتمد رسمياً توصيف «السيطرة بالنار» الذي بات متداولاً في توصيف نفوذها العسكري. لكن جمع الخرائط الإسرائيلية المتعددة المنشورة، وبيانات قوة الأمم المتحدة (اليونيفيل)، وأوامر الإخلاء الصادرة عن العدو، وإعلاناته المتعلقة بما تسميه «بنى عسكرية لحزب الله»، يسمح بإعادة تركيب صورة شبه متكاملة للمشهد الميداني.
وتكشف هذه المقارنة وجود أربع خرائط متداخلة: الاحتلال البري، السيطرة بالنار، منشآت المقاومة وأخيراً خريطة «المناطق التجريبية». وعند جمعها، يتضح أن المشروع الإسرائيلي يتجاوز مجرد احتلال شريط حدودي، ليقترب من إعادة رسم قواعد السيطرة العسكرية في جنوب لبنان.
منطقة الاحتلال البري
في 19 و20 نيسان 2026 نشر جيش العدو أول خريطة رسمية واسعة لانتشار قواته داخل الأراضي اللبنانية، معلناً إقامة خط دفاع متقدم يمتد بعمق يتراوح بين خمسة وعشرة كيلومترات داخل الجنوب. لكن تقديرات منظمة العفو الدولية رفعت عمق هذا الحزام في بعض القطاعات إلى ما بين ثمانية واثني عشر كيلومتراً، بمساحة إجمالية تقارب 600 كيلومتر مربع من البر والبحر. وبحسب جيش العدو، انتشرت خمس فرق عسكرية، إضافة إلى القوات البحرية، جنوب هذا الخط. إلا أن الخريطة نفسها لا تُظهر شريطاً متجانساً، بل ثلاثة قطاعات تختلف في عمقها وأهميتها العسكرية.
في الغرب، يبدأ الحزام من الساحل ونقطة الناقورة في جنوبه، مروراً بالضهيرة وعلما الشعب ويارين ومروحين وصولاً إلى رامية وعيتا الشعب في القسم الغربي من الحدود. وفي القطاع الأوسط، يمتد «الحزام» من جنوب رميش وعين إبل وبنت جبيل، قبل أن يتصل بعيترون وبليدا وميس الجبل وحولا والعديسة، ويتوغل في القطاع الشرقي ليشمل الخيام وكفركلا وسهل الوزاني والغجر والمنحدرات الغربية لجبل الشيخ.
وتفيد «اليونيفيل» بأن إسرائيل كانت، قبل هذا التوسع، تحتفظ بخمسة مواقع عسكرية ونطاقين عازلين داخل لبنان، لكن ما حدث في نيسان شكّل انتقالاً نوعياً من احتلال مواقع محدودة إلى إنشاء حزام عسكري واسع يمنع المدنيين من الوصول إلى أجزاء كبيرة من الجنوب. ولم يبقَ هذا الخط ثابتاً. ففي 18 حزيران، نشر جيش العدو خريطة جديدة أظهرت تقدماً إضافياً نحو الشمال، شمل مناطق قريبة من النبطية وبعض المواقع الواقعة شمال نهر الليطاني.
وبالتوازي، كشف مسؤولون إسرائيليون أن المباحثات مع الولايات المتحدة تناولت الإبقاء على القوات حتى عمق يقارب عشرة كيلومترات داخل لبنان، مع التشديد على أن حرية العمل العسكري لن تتقيد بالحزام المعلن، بل ستبقى قائمة خارجه أيضاً. ولهذا، تبدو الخريطة الإسرائيلية مؤلفة عملياً من مستويين، الأول هو الحزام الأساسي الذي أُعلن في نيسان، والثاني يتمثل في جيوب التوسع اللاحقة، ولا سيما باتجاه مرتفعات الشقيف وعلي الطاهر، ومحيط النبطية، وبعض المواقع الواقعة شمال الليطاني.
ولا يعني إدراج بلدة داخل هذا الحزام وجود قوات إسرائيلية في كل شوارعها وأحيائها، إذ قد تقتصر السيطرة على المرتفعات أو المداخل أو النقاط التي تمنح الجيش الإسرائيلي القدرة على منع السكان أو الجيش اللبناني من الوصول إليها.
منطقة السيطرة بالنار
إذا كانت خريطة الاحتلال ترسم حدود الانتشار البري، فإن خريطة السيطرة بالنار ترسم حدود النفوذ العسكري الفعلي. ففي المستوى الأول منها، صنف العدو 74 بلدة وقرية ضمن ما يمكن تسميته «منطقة عدم العودة». حيث منع السكان من العودة نهائياً إلى 53 بلدة، وفرضت القيود على الحركة جنوب خط يمر بمحاذاة 21 بلدة أخرى، إضافة إلى حظر الاقتراب من نهر الليطاني وواديي السلوقي والصلحاني. (أشارت منظمة العفو الدولية إلى وجود أخطاء وتكرار في أسماء البلدات الواردة في البيانات الإسرائيلية). وتشكل هذه المنطقة الحلقة الأقرب إلى الاحتلال المباشر، لأن العدو يستطيع فرض المنع عبر الطائرات المسيّرة والقصف والإنذارات، حتى في الأماكن التي لا تتمركز فيها قوات ثابتة.
يتجاوز المشروع الإسرائيلي مجرد احتلال شريط حدودي ليقترب من إعادة رسم قواعد السيطرة العسكرية في الجنوب
أما المستوى الثاني، فيشمل كامل المنطقة الواقعة جنوب الليطاني. إذ أنه ومنذ بداية التصعيد، اعتبر جيش العدو هذا النطاق بأكمله ساحة عمليات، وأصدر أوامر بإخلائه بالكامل، وهو ما يعادل نحو 8.5 في المئة من مساحة لبنان، وفق تقديرات منظمة العفو الدولية. لكن كثافة السيطرة بالنار ليست متساوية. فالتركيز الأكبر يبقى على قرى المواجهة، ووادي السلوقي، ومحاور الطرق التي تربط قضاء صور بأقضية بنت جبيل ومرجعيون والنبطية، إضافة إلى المرتفعات المشرفة، ولا سيما قلعة الشقيف وتلال علي الطاهر، والمناطق التي تعتبرها إسرائيل مركزاً لمنصات إطلاق الصواريخ المضادة للدروع.
وفي المستوى الثالث، توسعت أوامر الإخلاء حتى نهر الزهراني، ثم أُعلنت المنطقة الواقعة جنوبه «منطقة قتال»، مع إدراج بلدات تقع شمال النهر أيضاً ضمن التحذيرات. وتقدّر منظمة العفو الدولية أن هذه الدائرة تضم نحو 800 ألف نسمة، أي ما يقارب عُشر مساحة لبنان.
وهكذا، لا تبدو «السيطرة بالنار» منطقة واحدة، بل ثلاث درجات متداخلة، احتلال بري مباشر، واستهداف مكثف جنوب الليطاني، ثم مجال عمليات جوية يمتد حتى الزهراني وما بعده، في ظل تأكيد إسرائيلي متكرر بأن حرية العمل العسكري لا تتوقف عند حدود «المنطقة الأمنية».
منطقة «منشآت حزب الله»!
إلى جانب خرائط الانتشار، بنى العدو سردية موازية تستند إلى ما يقول إنه شبكة واسعة من المنشآت العسكرية التابعة لحزب الله. وتحتل مرتفعات الشقيف وعلي الطاهر موقع القلب في هذه الرواية. فقد أعلن جيش العدو العثور على شبكة أنفاق وغرف تحت الأرض ومستودعات أسلحة، معتبراً أن هذه المرتفعات تمنح الحزب قدرة إشراف على مرجعيون وسهل الحولة والطرق المؤدية إلى النبطية. وتتجاوز أهمية الموقع البعد العسكري، بعدما نقل مسؤولون إسرائيليون أن قلعة الشقيف ليست ضمن المناطق المطروحة للانسحاب التجريبي، ما يعكس رغبة العدو في الاحتفاظ بها باعتبارها أصلاً استخبارياً وعسكرياً طويل الأمد.
في القطاع الغربي، أعلن العدو العثور على نفق يتجاوز طوله 200 متر وعمقه 25 متراً في بلدة مجدل زون، إضافة إلى غرف ومخازن وفتحات إطلاق، مؤكداً تفكيك عشرات المواقع في محيط البلدة. وتكشف هذه الروايات نظرة العدو إلى القطاع الغربي بوصفه منطقة بُنى تحتية عسكرية تحت الأرض، تؤمن السيطرة على محور صور - الناقورة، والمرتفعات المطلة على الحدود، وربط الحزام البري بما تسميه «منطقة الدفاع البحرية المتقدمة». وأضاف العدو مؤخراً بلدة حداثا إلى هذه اللائحة، معلناً العثور على أكثر من 150 قطعة سلاح داخل البلدة، من دون تقديم معطيات مستقلة تسمح بتحديد طبيعة المواقع أو امتدادها.
أما قرى كفركلا والعديسة وميس الجبل وعيترون وعيتا الشعب ومارون الراس وبليدا وحولا، فتظهر بصورة متكررة في البيانات الإسرائيلية باعتبارها تضم أنفاقاً ومواقع مراقبة ومستودعات أسلحة ومنصات مضادة للدروع، غير أن هذه المعلومات تبقى في إطار الادعاءات الإسرائيلية التي لم تتحقق منها جهة مستقلة بصورة شاملة.
«المناطق التجريبية»
في موازاة تثبيت الحزام الأمني، برزت فكرة «المناطق التجريبية» التي جرى الحديث عنها في مفاوضات واشنطن، وتتقاطع المعطيات عند ثلاث بلدات هي فرون والغندورية وزوطر الغربية. وقد أُدرجت هذه البلدات في الخرائط الحكومية الإسرائيلية باعتبارها منطقتين تجريبيتين، فيما أكد مسؤولون إسرائيليون أن السيطرة عليها جاءت لاستخدامها ورقة تفاوضية خلال المحادثات. ولا توجد حتى الآن خريطة رسمية تحدد حدود المنطقتين، لكن تصريحات رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو تسمح باستنتاج أن المنطقة الأولى تقع جنوب الليطاني، بين بنت جبيل ووادي السلوقي (أي خارج الحزام الأصلي أو على حافته الشمالية)، بينما تقع الثانية شمال الليطاني، قرب زوطر الغربية ومرتفعات الشقيف، ضمن مناطق التوسع التي احتلت لاحقاً. وبذلك، لا يبدو أن العدو يتحدث عن انسحاب من قلب المنطقة الأمنية، بل عن إعادة انتشار في جيوب أضيفت بعد إنشاء الحزام الأساسي، مع الإبقاء على حرية العمل العسكري داخله، ومنع عودة المدنيين أو حزب الله إليه وفق التصور الإسرائيلي.
بالمحصّلة، تكشف مقارنة الخرائط الأربع أن العدو يرسم طبقات متدرجة للسيطرة، لا حدوداً ثابتة للاحتلال. فالانسحاب المطروح حتى الآن يتركز، وفق الرواية الإسرائيلية نفسها، في مناطق تقع خارج قلب الحزام الأمني أو عند أطرافه، ما يجعله أقل كلفة عسكرياً وسياسياً. وفي الوقت نفسه، تفصل تل أبيب بين الوجود البري وحرية العمل العسكري، بحيث يمكنها سحب الجنود من منطقة معينة مع الإبقاء عليها تحت المراقبة والاستهداف، وربط أي عودة إليها بادعاءات تتعلق بتفكيك بُنى حزب الله.
أما المواقع التي يصفها العدو بأنها ذات قيمة استراتيجية عالية، وفي مقدمها الشقيف وعلي الطاهر ومجدل زون والحزام الحدودي المضاد للدروع، فلا تظهر حتى الآن ضمن المناطق المرشحة للانسحاب، فيما تُقدَّم فرون والغندورية وزوطر الغربية باعتبارها نموذجاً لانسحاب محدود يسمح بإظهار تقدم في المفاوضات من دون المساس بالبنية الأساسية للمشروع الإسرائيلي في جنوب لبنان.
الخيام | khiyam.com
تعليقات: