فايز أبو عباس: من الذاكرة الخيامية.. قصة آل أبو عباس وشجر الحور

الأستاذ فايز أبو عباس: المقصود هو الشخص العنيد الذي لا يغيّر رأيه، حتى لو اعترضت طريقه شجرة حور شاهقة
الأستاذ فايز أبو عباس: المقصود هو الشخص العنيد الذي لا يغيّر رأيه، حتى لو اعترضت طريقه شجرة حور شاهقة


تزخر الذاكرة الشعبية في الخيام بتعابير وأمثال ارتبطت بحكايات وأحداث عاشها الأجداد، حتى أصبحت جزءًا من هوية البلدة ولهجتها الخاصة. ومن بين هذه العبارات الشهيرة: "الدرب على الحورة"، التي ارتبطت بآل أبو عباس، وتناقلها الناس جيلاً بعد جيل، واختلفت في تفسيرها الروايات. وفي هذه الحكاية نستعرض أصل هذه التسمية، كما رواه الأجداد، لنقترب من حقيقة عبارة بقيت حيّة في الذاكرة الخيامية حتى اليوم.

من الصفات التي كانت، وما زالت إلى حدّ ما، تتداول بين أبناء الخيام، وإن خفّ استعمالها في هذه الأيام، تلك العبارة التي كانت تُطلق على أبناء عائلة أبو عباس، وهي: "الدرب على الحورة".

فحين كان يدور نقاش أو جدال حول قضية أو حدث، ويصرّ أحد المتحاورين، سواء كان من آل أبو عباس أو من غيرهم، على رأيه ولا يتراجع عنه، كان يُقال له: "لا فائدة منك... الدرب على الحورة."

ما هي الحورة؟

الحور شجرة طويلة مستقيمة الساق، شامخة الارتفاع، ثمارها عبارة عن بذور غير صالحة للأكل. وكانت تُزرع بمحاذاة الينابيع ومجاري المياه في صفوف متقاربة تُعرف باسم المحورة.

وكان خشب الحور من أهم أخشاب البناء قديمًا، إذ استُخدم في تسقيف البيوت الحجرية والطينية، وفي الأعمدة الداخلية، كما صُنعت منه الأبواب والجسور، حتى إنه كان يقوم مقام الحديد في كثير من الاستخدامات.

وكان البناؤون والمزارعون يولون هذه الأشجار عناية كبيرة، فيعملون على تشذيب أغصانها باستمرار كي تبقى الجذوع مستقيمة، خالية من الاعوجاج، وصالحة للاستعمال في البناء.

ولهذا ارتبط الحور في الذاكرة الشعبية بالقوة والاستقامة.

لماذا قيل: "الدرب على الحورة"؟

كان التفسير الشائع أن المقصود هو الشخص العنيد الذي لا يغيّر رأيه، حتى لو اعترضت طريقه شجرة حور شاهقة، فإنه لا يلتف حولها، بل يصعد فوقها ثم ينزل من الجهة الأخرى ليكمل طريقه.

ولهذا أصبحت العبارة مرادفة للعناد والتشبث بالرأي، وأُلصقت خصوصًا بأبناء آل أبو عباس.

غير أن الحقيقة، كما يرويها الأجداد، مختلفة تمامًا.

الرواية الحقيقية

كانت الخيام في بداياتها تتألف من دارين كبيرين أو حيين محصنين.

الأول هو دار الحوش (أو دار المنزول)، ويقع إلى الغرب من البلدة، وكان يطل على المرج ووادي المسيل الغني بالينابيع، وسكنه في البداية آل إدريس وآل شقير، الذين عُرفوا لاحقًا بآل فاعور، ثم سكنه آل العبد الله بعد المصاهرة.

أما الثاني فهو دار الجواني، أو دار العبابسة، وسُمّي بالجواني لأنه كان في عمق التلة التي نشأت عليها الخيام، بالقرب من البركة التي كانت تجمع مياه الشتاء، وتبقى عامرة بالمياه صيفًا وشتاءً، فتؤمّن مياه الغسيل وسقي المواشي.

وكان كل دار عبارة عن مجموعة من البيوت المتلاصقة، تحيط بها الأسوار، ولا مدخل لها سوى بوابة واحدة كانت تُقفل مع غروب الشمس، حمايةً للسكان من الضباع والذئاب والثعالب، ومن اللصوص أيضًا.

وكان يُمنع الشباب من الخروج ليلًا، وعليهم البقاء داخل الدار حتى طلوع الفجر.

أصل التسمية

سألتُ جدي، رحمه الله، في أواخر خمسينيات القرن الماضي، عن سبب هذه التسمية.

ابتسم طويلًا، ثم اعتدل في جلسته وقال:

يا جدي... في دار الجواني، كانت هناك شجرة حور ضخمة ملاصقة تقريبًا لسور الدار، بالقرب من البوابة.

ومع توسع الخيام، وانتشار البيوت خارج الدارين، وازدياد العلاقات الاجتماعية والمصاهرات، صار بعض الشباب يخرجون ليلًا للسهر خارج الدار.

لكن المشكلة كانت أن البوابة تُقفل عند الغروب.

فكيف يعود الشاب إلى منزله؟

كان بعضهم، ممن اعتادوا تسلق أشجار الحور أثناء العمل في المحاور وتشذيبها، يتسلق جذع الحور الملاصق للسور، ثم يقفز منه إلى داخل الدار.

وعندما يُسأل صباحًا: "كيف دخلت والباب كان مقفلًا؟"

كان يجيب: "رجعت من الحورة."

ومن هنا جاءت العبارة: "الدرب على الحورة."

أي أن طريق العودة إلى البيت كان عبر شجرة الحور، لا عبر البوابة.

التفسير المنطقي

وهذا هو التفسير الأقرب إلى المنطق والتاريخ.

أما التفسير الذي يربط العبارة بتشذيب أشجار الحور والتنقل بينها، فلا يستقيم، لأن المحورة ليست طريقًا، بل مجموعة من الأشجار المتقاربة، كما أن الانتقال من شجرة إلى أخرى لا يحتاج إلى النزول والصعود كما يتخيل البعض.

ومن هنا، بقيت عبارة "الدرب على الحورة" تُستعمل مجازًا للدلالة على الشخص العنيد الذي يصرّ على رأيه، وإن كان أصلها، في الحقيقة، يعود إلى تلك الحيلة التي كان يلجأ إليها بعض شباب الخيام للعودة إلى منازلهم بعد إقفال أبواب الدار.

أطلت عليكم... فاعذروني.

فايز أبو عباس

تعليقات: