فايز أبو عباس: عن مجالس عاشوراء وقرّاؤها في ذاكرة الخيام

سماحة السيد عبد الكريم شكر (أبو محسن) كان له مكانته الدينية بوصفه من السادة المنتسبين إلى آل بيت الرسول
سماحة السيد عبد الكريم شكر (أبو محسن) كان له مكانته الدينية بوصفه من السادة المنتسبين إلى آل بيت الرسول


تحية إلى جميع الإخوة والأخوات والأصدقاء والأهل في الخيام، منهل الروح وعروس العشق والهوى، التي ما تزال تتألم من عمق جراحها وقسوة الفراق.

حين نذكر الخيام، لا يسعنا إلا أن ننحني إجلالاً وإكباراً لهذا المنهل الذي استقينا منه معنى الحياة. فلا يلومنّنا أحد على هذا العشق الذي يجري في عروقنا ويتغلغل مع الدم في شراييننا.

ومن هذه الذاكرة، نطلّ على جانب من الحياة الدينية والشعائرية في الخيام، التي كانت مثالاً في إحياء المناسبات الدينية، ولا سيما مجالس التعزية في عاشوراء.

قرّاء المجالس الحسينية

في فترة الأربعينيات وما بعدها، عرفت الخيام ثلاثة من قرّاء المجالس الحسينية:

الشيخ خليل نصر الله

الشيخ حسين علي إبراهيم فاعور، كما كنّا نعرفه

السيد عبد الكريم شكر

كان الشيخ خليل مؤذّن الجامع وقارئاً للتعزية في المناسبات، كما كان أستاذاً لمادة التعليم الديني. وقد عُرف بصوته الرخيم ولحنه المميز في مجالس عاشوراء وسائر المناسبات.

وكان يصطحب التلامذة إ

لى الجامع لتعليمهم أصول الصلاة وأداء الفرائض. وما زلت أذكر حادثة وقعت لي أثناء أحد دروس الصلاة معه. كما كان يرفع الأذان في مواقيته من على مئذنة الجامع.

ظلّ الشيخ خليل في طليعة قرّاء المجالس حتى أواخر الخمسينيات ومطلع الستينيات، حين استدعاه آل الخليل في الغبيري إلى بيروت لإقامة شعائر عاشوراء هناك.

بعد مغادرته، بقي في الخيام الشيخ حسين علي إبراهيم، الذي حلّ محلّه في إقامة الشعائر، والسيد عبد الكريم شكر، الذي كان يزور البيوت ويقرأ المجالس في المناسبات.

الشيخ حسين ومسيرة العاشر

كان المرحوم الشيخ حسين يتمتع بصوت جهوري قوي. وفي مطلع الستينيات، تولّى إقامة الشعائر الحسينية في حسينية الخيام، كما أشرف على مسيرة يوم العاشر من محرّم.

كانت مراسم ذلك اليوم تبدأ قرابة السابعة أو الثامنة صباحاً بما كان يُعرف بـ«قراءة المصرع»، وتتخللها مشاركة أحد الأطفال في مشهد رمزي يجسّد طفل الإمام الحسين الذي أصاب السهم نحره بأمر عمر بن سعد.

وكانت قراءة المصرع تستمر حتى الثانية عشرة ظهراً، موعد الأذان، ثم تخرج الجموع في مسيرة شعبية تجوب شوارع الخيام وساحاتها. وكان يتقدمها عدد من الشبان مكشوفي الصدور، يلطمون بأيديهم يميناً ويساراً، ويرددون أهزوجة:

«كربلاء يا روح الشيعة...»

وتنتهي المسيرة بأداء صلاة الظهر، وكان الشيخ حسين يتولى قيادة هذه المراسم والإشراف عليها.

مجالس العزاء الأسبوعية في البيوت

من العادات التي كانت منتشرة في الخيام أن تختار بعض الأسر يوماً ثابتاً من كل أسبوع لإقامة مجلس عزاء حسيني في المنزل. وكان رب الأسرة يتفق مع أحد القرّاء على تلاوة المجلس، تبركاً وحفظاً لأهل البيت، وطلباً للتوفيق وإبعاد الشر عنهم.

وفي هذا المجال، كان السيد عبد الكريم شكر من أكثر القرّاء طلباً وتميّزاً، لأسباب عدة، منها مكانته الدينية بوصفه من السادة المنتسبين إلى آل بيت الرسول، إضافة إلى ما كان يتمتع به من صفات محببة.

فقد كان صاحب صوت رقيق وهادئ، وعلاقات أسرية راقية، وروح مرحة، وحضور لطيف مليء بالنكتة والفكاهة. كما كان موضع ثقة لدى العائلات، إذ كانت بعض المجالس تُقام في غياب رب المنزل لانشغاله بعمله، فلا يحضرها سوى الزوجة وبعض نساء الجيران.

التهجير وتغيّر العادات

استمرت هذه العادات حتى اندلاع أحداث عام 1976، حين هُجّر أهل الخيام وتفرّقوا، وتعرّضت البلدة للاحتلال والنهب وانتهاك البيوت على أيدي القوات الإسرائيلية والميليشيات المتعاملة معها.

وبدأت العودة التدريجية إلى الخيام بعد نحو خمس سنوات من التهجير، ولا سيما في أواخر عام 1982 ومطلع عام 1983، حين عاد بعض الأفراد والعائلات في ظل سيطرة الميليشيات المتعاملة مع الاحتلال، واستمر هذا الواقع حتى التحرير.

ومع تبدّل الظروف، اندثرت بعض العادات والتقاليد، ومنها إقامة مجالس العزاء الأسبوعية في البيوت، بينما استمر إحياء يوم عاشوراء، وإن طرأت على مراسمه بعض التغييرات.

قارئ آخر في الذاكرة

ولا بد من ذكر الشيخ حسين عبد الله، الذي أثار جدلاً حول بعض جوانب سلوكه الشخصي، إلا أنه كان، من دون شك، صاحب حضور لافت في هذه المناسبات، وتميّز بالإبداع والقدرة على التأثير. وقد غادر الخيام لاحقاً متوجهاً إلى إحدى دول الخليج.

أرجو المعذرة إن فاتتني بعض الأحداث أو الأسماء والتفاصيل، وأتمنى ممن يملك إضافة أو إضاءة على هذا الموضوع أن يبادر إلى تدوينها، إسهاماً في حفظ ذاكرة الخيام الدينية والاجتماعية.

مع التحية والشكر للجميع، وسلام الأحبة.

الأستاذ فايز أبو عباس

الشيخ حسين علي إبراهيم فاعور كان يقرأ مجالس العزاء وكان الشيخ خليل نصرالله يتلو الآذان. كلاهما كانا يعتمران طربوشا أحمرا ولفة بيضاء
الشيخ حسين علي إبراهيم فاعور كان يقرأ مجالس العزاء وكان الشيخ خليل نصرالله يتلو الآذان. كلاهما كانا يعتمران طربوشا أحمرا ولفة بيضاء


المأسوف عليه المرحوم السيد عبد الهادي عبد الكريم شكر
المأسوف عليه المرحوم السيد عبد الهادي عبد الكريم شكر


تعليقات: