
لم يكن الحاج أبو توفيق، رجلاً يعرف التقاعد أو يستسلم لثقل السنين. فقد عاش بين عامي 1926 و2022، وتجاوز التسعين من عمره، من دون أن يفارقه تعلّقه بالأرض
تزخر الذاكرة الخيامية بشخصيات من من رجالها وسيداتها تركت بصمات عميقة في حياة البلدة أو المجتمع. فمنهم من لا يزال بيننا، يواصل مسيرة العطاء من دون كلل، ومنهم من رحل بعدما خلّف سيرة تستحق أن تُروى، وتجربة جديرة بأن تُضاء صفحاتها وتحفظها الأجيال.
والحاج حسين علي سعد، المعروف بأبي توفيق، واحد من هؤلاء الخياميين الذين اقترنت حياتهم بالعمل والصبر والتعلّق بالأرض، فاستحق أن يبقى حاضراً في ذاكرة الخيام وأهلها.
لم يكن الحاج أبو توفيق، رجلاً يعرف التقاعد أو يستسلم لثقل السنين. فقد عاش بين عامي 1926 و2022، وتجاوز التسعين من عمره، من دون أن تنطفئ فيه جذوة العمل أو يفارقه تعلّقه بالأرض.
في العمر الذي يكون فيه كثيرون قد ركنوا إلى الراحة، وأصبحت أيامهم موزعة بين الاستجمام واستعادة الذكريات، ظلّ أبو توفيق يعمل بهمّة شاب، كأن السنوات لم تمرّ على كتفيه، وكأن الأرض كانت تمنحه من قوتها كلما انحنى فوقها.
ست ساعات يومياً في حضرة الأرض
كان يمضي نحو ست ساعات كل يوم في بستانه المحاذي للطريق المؤدية إلى الوطى، غير بعيد عن منزله في الحارة الشرقية. غرس في ذلك البستان أنواعاً متعددة من الأشجار المثمرة، وتعهدها بالرعاية، يتابع نموها موسماً بعد موسم، وكأن كل شجرة منها فرد من أفراد أسرته.
ولم يكن البستان وحده يشغل قلبه ووقته. فمن حين إلى آخر، كان يتوجه إلى كرم الزيتون الكبير الذي يملكه في منطقة الوطى، فيعتني بأشجاره تشحيلاً وتسميـداً ورياً، حتى إذا حلّ موسم القطاف، انصرف إليه بكامل نشاطه ووقته.
وكان الكرم يجود عليه سنوياً بما يزيد على مئة تنكة من الزيت، ثمرة تعب طويل، وعناية صبورة، وعلاقة لا تنفصم بين المزارع وأرضه.
غربة لم تنتزع الخيام من قلبه
كغيره من أبناء الخيام، لم تكن حياة أبي توفيق خالية من المشقّة. ذاق مرارة الغربة، وعمل نحو عشرين عاماً مزارعاً في ليبيا، كما عاش مرارة النزوح مرات عدة داخل وطنه، شأنه شأن كثير من الخياميين.
لكن الغربة لم تُبعده عن أرضه، والتهجير لم يقطع جذوره. بل كان يعود من كل سفر أشد حنيناً إلى الخيام، وأكثر تعلقاً بترابها وحقولها وزيتونها.
كان البعد يزيده شوقاً، وكانت العودة بالنسبة إليه استعادة لجزء من الروح.
أحاديث تختزن ذاكرة جيل
كان الحاج أبو توفيق يزورني باستمرار في مكتب موقع الخيام (khiyam.com)، وكنت، شأن كل من عرفه عن قرب، أستمتع بأحاديثه التي تجمع بين المتعة والألم، وبين النوادر والذكريات القاسية.
كان يتحدث ببساطة، لكن كلماته كانت تحمل تجارب عمر طويل، مرّ بالغربة والاحتلال والتهجير والعمل الشاق. ولم تكن الابتسامة تفارقه، حتى عندما يستعيد أحداثاً تختزن الكثير من المعاناة.
وفي إحدى زياراته، شاهده رئيس البلدية الأسبق، الحاج علي زريق، وهو يدخل إلى مكتب الموقع، فأوقف سيارته ولحق به، للاطمئنان إليه والتلذذ بأحاديثه والتبارك به. كان أبو توفيق من أولئك الرجال الذين يفرض حضورهم المحبة والاحترام من دون تكلف.
الصيدلية التي تحوّلت من فرح إلى معاناة
كان الحاج أبو توفيق يقول إن أشد ما عاناه هو وعائلته من قهر وضيق وقع خلال فترة الاحتلال، بعدما تخرج ابنه توفيق صيدلياً.
يومها، وضعت العائلة كل اهتمامها وإمكاناتها المادية في افتتاح صيدلية له في بلدة الخيام، التي كانت تفتقر إلى مشروع من هذا النوع. وغمرت الفرحة أفراد الأسرة، إذ رأوا في الصيدلية ثمرة سنوات الدراسة والتعب، وبداية لمستقبل مهني واعد.
لكن الفرحة لم تدم طويلاً.
فمع افتتاح الصيدلية بدأت مضايقات الاحتلال. وكان الدكتور توفيق، كلما توجه إلى بيروت لشراء الأدوية والبضائع، يُستدعى إلى التحقيق من قبل جيش الاحتلال والعملاء.
وفي الجهة الأخرى، ولدواع أمنية كان يتعرض أحياناً للاستجواب في المنطقة المحررة، بسبب دخوله المتكرر إلى المنطقة المحتلة وخروجه منها، رغم أن تنقلاته كانت مرتبطة بعمله وتأمين حاجات الصيدلية.
وبين التحقيق هنا والاستجواب هناك، كانت ساعات طويلة تضيع على المعابر، وساعات أخرى تُنتزع من وقت العمل. فتحولت الصيدلية، التي بدأت حلماً عائلياً جميلاً، إلى مصدر قلق وضغط ومعاناة يومية.
وأمام هذا الواقع القاسي، اضطر توفيق سنة 1986 إلى بيع كل شيء والهجرة للعمل في الخارج، حاملاً معه حلماً لم يسمح الاحتلال له بأن يكتمل في بلدته.
رجل لم تنل منه السنون
غادرنا الحاج أبو توفيق قبل نحو أربعة أعوام، بعدما ظل حتى سنواته الأخيرة مفعماً بالحيوية والنشاط، محباً للحياة، مقبلاً عليها بابتسامته الهادئة وتواضعه الأصيل.
لم ينل الدهر من عزيمته، ولم تطفئ الغربة أو الحروب أو التهجير شغفه بالعمل. بقي قريباً من الأرض، وفياً لها، يستمد منها صبره وقوته وإصراره على الاستمرار.
كان الحاج حسين سعد نموذجاً للمواطن الجنوبي الأصيل، الذي لا يقيس العمر بعدد السنوات، بل بما يقدمه من عمل وعطاء.
رحل أبو توفيق، لكنه بقي في الذاكرة الخيامية زيتونة شامخة الفروع، كثيرة العطاء، راسخة الجذور في أرض الخيام التي أحبها وعاش من أجلها.
المهندس أسعد رشيدي

الحاج أبو توفيق سعد ورئيس البلدية الأسبق، الحاج علي زريق، في موقع خيام دوت كوم. بعد أن شاهده وهو يدخل إلى مكتب الموقع، لحق به، للاطمئنان إليه والتلذذ بأحاديثه والتبارك به

الحاج أبو توفيق حسين علي سعد في إحدى زياراته الودّية لموقع خيام دوت كوم حيث كان يأتي ليتبادل أطراف الحديث مع المهندس أسعد رشيدي

الحاج أبو توفيق سعد وأبو علي حسن عكر، كلما التقيا، يتبادلان أطراف الحديث عن الزراعات وعن ذكريات ليبيا

رحل أبو توفيق حسين علي سعد عن عمر 96 سنة، لكنه بقي في الذاكرة الخيامية زيتونة شامخة الفروع، كثيرة العطاء، راسخة الجذور في أرض الخيام التي أحبها وعاش من أجلها

كان الحاج أبو توفيق يمضي نحو ست ساعات كل يوم في بستانه المحاذي للطريق المؤدية إلى الوطى
الخيام | khiyam.com
تعليقات: