
الأستاذ فايز أبو عباس
بعد انتهاء أعمال جني ثمار التين وتشريحها وترتيبها في المسطاح، كان للتيّانة عالم آخر من السهر والفرح، ولا سيما في الليالي المقمرة، حين يسطع نور القمر، وتحلو الجلسات، وتنتهي الصبايا من الأعمال الضرورية.
وكما ذكرنا سابقاً، كانت العائلة، في معظمها، تحطّ رحالها في الخيمة، فتتجاور العائلات وتبدأ التجمعات. عندها يحلو المرح والطرب، فقد كان الشباب يصطحبون عائلاتهم إلى ذلك المكان، حيث يستمر العمل والإقامة أكثر من شهرين من أجل جني المحصول.
ويختلف محصول التين عن سائر المحاصيل، إذ تنمو الثمرة مع نمو الأغصان. فالتين لا يزهر كغيره من الأشجار، بل تظهر الثمرة مع الورقة، وترافقها في نموها المتدرج، ولذلك تمتد فترة جني الثمار زمناً طويلاً.
وكانت هذه المدة الطويلة تناسب الشباب والصبايا، إذ تتيح لهم فرص اللقاء وتبادل مشاعر الحب، في أجواء ممزوجة بالفرح والأغاني وسهرات الأنس. وكانت السهرات تبدأ بالغناء وتبادل المواويل، التي تحمل في كلماتها كثيراً من الرسائل العاطفية ومشاعر المحبة، وتنتهي في كثير من الأحيان بجمع رأسين على وسادة واحدة، أي بالزواج.
حفلات الدبكة
كانت الدبكة في مقدمة الحفلات التي يشارك فيها الشباب والصبايا، وحتى الأمهات والرجال، وذلك قبل أن يتغير الوضع الاجتماعي والأخلاقي إلى ما نعيشه في هذه الأيام من فصل حاد بين الذكور والإناث في الحفلات والاجتماعات والمناسبات، سواء كانت أفراحاً أم أتراحاً.
كنا نرى الدبكة الخيامية المميزة، حيث يدبك كل شخص في مكانه ويتحرك على الإيقاع. وكانت الدبكة، كما يقال، «فرخة وديك»، أي تتشابك فيها أيدي الشباب والصبايا، فما كان أمراً طبيعياً ومقبولاً بالأمس أصبح محرّماً اليوم، في صورة من صور ما نسمّيه تطوراً اجتماعياً وحضارياً، وتراجعاً في الثقة بالنفس وبالأبناء.
وكانت الدبكة تستمر على أنغام المتجبّرة أو المجوز ساعات طويلة، ترافقها الأغاني والأصوات الشجية الناعمة التي تمنح النفس والقلب الطمأنينة والأمان والسعادة.
وكم من دبّيكة برزوا على الحاشية من الصبايا والشباب، وكانت خبطات أقدامهم تهز المكان، فيما تجذب ألحان الأغاني المشاهدين والمشاركين من أماكن بعيدة.
ومع مرور الوقت، أصبحت هذه الحفلات عادة سنوية، يحرص التيّانة على إحيائها، لأنها باتت جزءاً لا يتجزأ من مواسم التين ومناسباتها.
حفلات الطرب والزجل
وكما كانت الأفراح تُحيى بالأغاني والدبكة على أنغام المجوز والمتجبّرة، كانت تُقام أيضاً، بناءً على دعوات مسبقة، حلقات الزجل والمناظرات الشعرية.
كانت هذه الحفلات تقتصر أحياناً على الشباب المشاركين في موسم التيّانة، وفي أحيان أخرى يأتي إليها محترفون أو هواة من خارج تلك الجماعات لإحيائها.
وكانت الحفلات تُقام في الهواء الطلق، إما على ضوء القمر، أو، في مرحلة لاحقة، على ضوء «اللوكس»، وهو قنديل يعمل على الكاز، وله شاشة حريرية تحترق وتتحول إلى رماد، لكنها تبقى معلقة في مكانها وتشع كأنها مصباح كهربائي.
وكان الجمهور يتفاعل مع المتبارين في الزجل، فترتفع الأصوات تشجيعاً لهذا الشاعر أو ذاك، وتستمر الحفلات إلى ما بعد منتصف الليل، فيعم الفرح والسرور وسط بساطة إنسان تلك الأيام وطيبته وبراءته، قبل أن تشغله تعقيدات الحياة الحديثة وهمومها.
هكذا كانت تمضي أيام التيّانة في تلك الحقبة التي فقدنا كثيراً من بساطتها وطيبتها. كانت أياماً من الفرح والسرور، والرضا والقناعة، وهما من أثمن ما يملكه الإنسان في حياته الفانية.
هكذا عاش آباؤنا وأجدادنا، يستثمرون أيامهم، ويقضون لياليهم في العمل والفرح، ويجنون محاصيل ما زرعوه من أشجار وغيرها. وكان أهم من ذلك كله ما امتلكوه من ثقة كبيرة ومتينة وصادقة: ثقة الإنسان بنفسه، المحصّنة من السوء، وثقته بالآخرين من دون تعقيد أو حذر أو شك.
عاش الآباء والأجداد تلك الحياة، وعشنا نحن طفولتنا معهم وفي صحبتهم، وما زلنا إلى اليوم نعيش على ذكراهم.
وفي الختام، أعتذر إن غاب عني حدث، أو نسيت تفصيلاً، أو تجاوزت المعقول في البحث والشرح. وأتمنى للجميع أياماً سعيدة وراقية وجميلة، تحمل معها الأمان والسلام والاطمئنان وراحة البال.
فايز أبو عبّاس
الجزء الأول: من ذاكرة الخيام.. «التَّيّانة»، صيفٌ بين أشجار التين وخيمةٌ للحياة
الجزء الثاني: من ذاكرة الخيام.. «التَّيّانة»، التَّيّانة»، جني الثمار وتجفيفها وأنواع المحصول
الجزء الثالث: أيام التين والتيّانة، ليالي الفرح والدبكة والزجل
الخيام | khiyam.com
تعليقات: