
المربية سناء علي نعيم عبدالله: أملنا ما زال كبيراً بشباب هذا البلد وبقدرتهم على بناء إدارة تحترم الإنسان وتصون حقوقه
صورة مسبقة عن معاناة الدوائر الرسمية
كنت أسمع كثيراً عن المعاناة التي يواجهها المواطن في الدوائر الرسمية في هذا البلد، وعن الساعات الطويلة، وأحياناً الأيام العديدة، التي قد يقضيها لإنجاز معاملة بسيطة. لذلك، عندما توجهت في أحد أيام صيف عام 2020 إلى أمانة السجل العقاري في مرجعيون لإنجاز معاملة، كنت أشعر بشيء من الكآبة والقلق، متوقعةً رحلة طويلة من الانتظار والتعب.
باب مفتوح واستقبال مختلف
ما إن وصلت حتى توجهت مباشرة إلى مكتب أمين السجل العقاري، الأستاذ يوسف شكر. وكانت المفاجأة الأولى أن باب مكتبه كان مفتوحاً أمام جميع المراجعين، في مشهد لم أكن معتادة رؤيته في الدوائر الرسمية.
استقبلني بابتسامة، وأمسك بالملف الذي كان بحوزتي، ثم طلب مني التفضل بالجلوس والانتظار إلى أن يحين دوري. وكلمة حق تُقال، فقد بدا منذ اللحظة الأولى إنساناً يتمتع بأخلاق رفيعة، وذكاء، ولباقة، وحسن معاملة.
موقف إنساني لا يُنسى
عندما جاء دوري، بدأ الأستاذ يوسف بدراسة ملفي، لكنه توقف فجأة عن العمل بعدما لمح في الممر رجلاً مسناً مبتور الساق، يتكئ على عكازين. خرج من مكتبه، ودعاه إلى الدخول، ثم بادر إلى إنجاز معاملته مراعاةً لوضعه الصحي.
بعد ذلك، عاد إلى ملفي وأكمل دراسته، ثم أرشدني إلى مكتب مجاور، حيث كانت هناك موظفة تعاملت معي بمنتهى اللطف والذوق. وبعد دقائق قليلة، طلبت مني التوجه إلى مكتب آخر لاستلام الإيصال.
معاملة أُنجزت في أقل من نصف ساعة
في أقل من نصف ساعة، كنت قد استلمت الإيصال وأنجزت معاملتي كاملة. شعرت يومها كأنني دخلت دائرة رسمية في بلد متقدم: نظام، وهدوء، ونظافة، وترتيب، واحترام للمراجعين.
وكان ذلك في زمن انتشار وباء كورونا، فلم أرَ موظفاً أو مراجعاً من دون كمامة، ما عكس درجة عالية من الالتزام والمسؤولية.
إدارة تحترم المواطن
بعد إنجاز المعاملة، لم أشأ مغادرة الدائرة قبل أن أعود إلى مكتب الأستاذ يوسف لأقدم له الشكر والامتنان على حسن أدائه وإدارته، وعلى الأسلوب الراقي الذي يتعامل به موظفو دائرته مع المواطنين.
كان الجميع في تلك الدائرة سواسية، من دون وساطات أو تمييز، باستثناء الاهتمام الإنساني الزائد الذي حظي به الرجل المسن من ذوي الإعاقة، وهو اهتمام يُحسب للإدارة ولا يُؤخذ عليها.
نموذج لما يجب أن تكون عليه مؤسسات الدولة
لا بد من القول إنه لو كانت جميع الدوائر الرسمية في لبنان تُدار بهذه الطريقة، لكان بلدنا بألف خير.
ما أحوجنا إلى شباب متعلمين ومثقفين يتولون إدارة شؤون الدولة ومؤسساتها، ويحرصون على المال العام بقدر حرصهم على راحة المواطن وتسهيل أموره.
وقد كان الأستاذ يوسف شكر، الذي لم أكن أعرفه من قبل، نموذجاً لهذا الشاب المثقف والكفوء. فبفضل ذكائه وفطنته ولباقته وحسن إدارته، نجح في محو الصورة الضبابية التي كانت محفورة في مخيلتي عن الدوائر الرسمية اللبنانية، وحوّل شعور الكآبة الذي دخلت به إلى إحساس بالراحة والطمأنينة، كأنني دخلت إلى مكان أعرفه وأشعر فيه بالأمان.
أملنا بشباب هذا البلد
إنها مشاهدة لا تُمحى من الذاكرة، ومن المفيد الإضاءة عليها، لأن أملنا ما زال كبيراً بشباب هذا البلد وبقدرتهم على بناء إدارة تحترم الإنسان وتصون حقوقه.
ولم أتفاجأ عندما علمت لاحقاً أن الأستاذ يوسف شكر كان الأول في دورته الجامعية، وأن اسمه مُدرج على لوائح الشرف في كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية.
المربية سناء علي نعيم عبدالله

الأستاذ يوسف شكر كان الأول في دورته بالجامعة، وكان اسمه مُدرجا على لوائح الشرف في كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية

المختار أحمد حسان

ابو علي كامل غريب في مكتب أمين السجل العقاري يوسف شكر

الأستاذ علي دياب، رئيس دائرة المساحة في حينه











الخيام | khiyam.com
تعليقات: