فايز أبو عباس: الحياة الخيامية.. حين كانت المحبّة أسلوب حياة

فايز أبو عباس: لم يكن البيض مجرد لعبة أو تسلية، بل كان يحمل رمزاً مرتبطاً بعيد الفصح والحياة المتجددة، بما يمثله من ولادة حياة جديدة من داخل قشرة تبدو ساكنة وصامتة
فايز أبو عباس: لم يكن البيض مجرد لعبة أو تسلية، بل كان يحمل رمزاً مرتبطاً بعيد الفصح والحياة المتجددة، بما يمثله من ولادة حياة جديدة من داخل قشرة تبدو ساكنة وصامتة


هي الحياة الاجتماعية بكل معانيها ومغازيها، كانت تتجسد واقعاً بريئاً، خالياً من التزييف والتدليس.

هي الحياة الخيامية كما عرفناها، تضيء العقول والقلوب، وتقدّم نموذجاً في الألفة والمحبة، في مواجهة كل تعصب وجهل وانغلاق.

عشنا هذه الحياة صغاراً وشباباً، ولا أحب أن أسمّيها مجرد «عيش مشترك»، لأن العيش له أجل، أما الحياة فمتجددة ودائمة.

نسيج اجتماعي واحد بألوان متعددة

هكذا كانت حياتنا في الخيام، ولا سيما في المناسبات والأعياد.

كان النسيج الاجتماعي الخيامي يتلوّن بتنوعه الإيماني، كما تتزين اللوحة بألوانها وزخارفها. وكانت الكنائس تعانق الجامع الوحيد في مدينة عرفت معنى الحياة، وعاش أبناؤها ذلك التنوع بمحبة وفرح وقلوب بيضاء متقاربة.

عيد الفصح في ذاكرة الطفولة

ما زالت تلك الصور ماثلة أمامي كلما حلّ عيد الفصح.

أعود بذاكرتي إلى ذلك الطفل والشاب الذي كنتُه، أسهر قرب الموقد، أراقب البيض وهو يغلي ويتلوّن بالأحمر والأخضر والأزرق والأصفر، استعداداً لصباح اليوم التالي.

وفي صباح العيد، كان شباب الخيام يجتمعون في الساحة، وعلى مقربة من الكنائس، قبل أن تبدأ الأجراس بالرنين معلنة حلول عيد الفصح المجيد.

كلواحد يحمل ما تيسر من سلال وعلب وأكياس، وأحياناً أواني فخارية، ملأى بالبيض المسلوق والملوّن.

«المداقسة»... لعبة العيد

وكان كل واحد يختبر صلابة رأس البيضة على أسنانه، متحدياً الآخرين: من يريد أن «يداقس»؟

والمداقسة أن يواجه أحدهم ببيضته بيضة خصمه، فإذا انكسر رأس بيضة الخصم ربحها صاحب البيضة الأقوى.

وكانت المنافسة تستمر، «راس وعيز» بحسب الشروط المتفق عليها، إلى أن يظهر صاحب البيضة الأصلب والأمتن.

ويتجمع حول المتنافسين من يراقب، ومن يشتري البيض المكسور، ومن يراهن ويشارك، إلى أن يحين موعد القداس، فتتفرق الحشود بين من يذهب إلى الكنيسة ومن يبقى في الساحة.

رمز للحياة المتجددة

ولم يكن البيض مجرد لعبة أو تسلية، بل كان يحمل رمزاً مرتبطاً بعيد الفصح والحياة المتجددة، بما يمثله من ولادة حياة جديدة من داخل قشرة تبدو ساكنة وصامتة.

ومع مرور السنوات، تحولت هذه المظاهر إلى تقليد شعبي أصيل، يشارك فيه الجميع، ويعبّر عن طبيعة الحياة المشتركة التي جمعت أبناء الخيام.

أيام نفتقدها اليوم

اليوم نتذكر تلك الأيام واللحظات والساعات الجميلة، ونفتقد ما كان يملأ النفوس من طيبة ومحبة وإخلاص ووفاء.

لقد تغيّرت الحياة كثيراً مع التطور الحضاري والتكنولوجي، ولم تستطع الأجيال الجديدة أن تعيد إلى بعض هذه المناسبات رونقها القديم وبريقها، ولا تلك الروح البسيطة التي كانت تجمع الناس بلا حقد ولا غيرة ولا تعصب.

إنها أيام من تراث شعبي وإنساني راقٍ، ما زالت محفورة في الذاكرة، وتعود إلينا مع كل مناسبة، فتوقظ في النفس الحنين إلى زمن كانت فيه العلاقات أبسط، والقلوب أقرب، والفرح أكثر عفوية.

لكم التحية، أهلنا الأحبة، وإلى لقاء قريب مع أثر آخر من آثار الذاكرة الخيامية.

فايز أبو عباس

السيدة ريما حوراني، عقيلة رئيس بلدية جديدة مرجعيون الأسبق الأستاذ أمال الحوراني، تفاقس بالبيض رجل دين - أرشيف زياد الشوفي
السيدة ريما حوراني، عقيلة رئيس بلدية جديدة مرجعيون الأسبق الأستاذ أمال الحوراني، تفاقس بالبيض رجل دين - أرشيف زياد الشوفي


تعليقات: