التعويضات في حروب الشرق الأوسط، من يدفع لمن؟

الأصول المجمدة ورفع العقوبات وتمويل إعادة الإعمار تتحول إلى أدوات تفاوض بديلة (Getty)
الأصول المجمدة ورفع العقوبات وتمويل إعادة الإعمار تتحول إلى أدوات تفاوض بديلة (Getty)


تحولت قضية التعويضات إلى ساحة جديدة للصراع في الشرق الأوسط، بعدما بدأت الدول المتضررة تضع حسابات القتلى والدمار والخسائر الاقتصادية على طاولات التفاوض. ولم تعد المطالب تقتصر على إعادة بناء المنشآت، بل باتت تشمل الأصول المجمدة والعقوبات وفقدان الإيرادات وتعطل التجارة والطاقة وتكاليف النزوح.

وفي قلب هذا الجدل تبرز سوريا وإيران والولايات المتحدة ودول الخليج، حيث تتداخل المسؤوليات القانونية بالمساومات السياسية والمصالح الأمنية.

سوريا وفاتورة الحرب المفتوحة

تبدو سوريا الحالة الأكثر تعقيداً، نظراً إلى تعدد الدول والجماعات التي تدخلت في حربها منذ عام 2011. فقد تحدثت تقارير إعلامية، في كانون الأول/ديسمبر 2024، عن إعداد الإدارة السورية الجديدة مذكرة تطالب إيران بنحو 300 مليار دولار، مقابل الأضرار التي نسبت إلى الحرس الثوري والميليشيات المدعومة منه.

وقدر البنك الدولي كلفة إعادة بناء الأصول السورية المتضررة بين عامي 2011 و2024 بنحو 216 مليار دولار، ضمن نطاق يتراوح بين 140 و345 ملياراً. غير أن هذه الأرقام لا تشمل جميع الخسائر الاقتصادية والاجتماعية، مثل تراجع الإنتاج والدخل، وتعطل التعليم والخدمات الصحية، وتكاليف النزوح، وفقدان الممتلكات والفرص الاستثمارية. ولذلك قد تكون الفاتورة الفعلية أعلى بكثير.

لكن السؤال الأصعب هو كيفية توزيع المسؤولية بين الحكومة السورية السابقة وإيران وروسيا وإسرائيل والتنظيمات المسلحة المختلفة. فوجود قوات أجنبية أو تقديم دعم مالي وعسكري لا يكفي وحده لإثبات المسؤولية القانونية عن كل عملية أو خسارة، بل يتطلب ربط كل طرف بأفعال محددة وتوثيق نتائجها.

الخليج بين التعويض والتمويل

لدول الخليج موقع محوري في هذا الملف. فهي تمتلك، من جهة، تجربة مباشرة مع التعويضات بعد غزو العراق للكويت عام 1990. وقد أنشأ مجلس الأمن لجنة الأمم المتحدة للتعويضات، التي عالجت مطالبات أفراد وشركات وحكومات، ومنحت 52.4 مليار دولار، اقتطعت أساساً من عائدات النفط العراقي.

يمثل هذا النموذج سابقة مهمة، لكنه يصعب تكراره في سوريا أو إيران من دون قرار ملزم من مجلس الأمن وتوافق بين القوى الكبرى. كما قد ترفض دول الخليج التحول من أطراف متضررة أو مهددة إلى ممول دائم لفواتير حروب لم تتسبب فيها، ولا سيما إذا غابت الضمانات المتعلقة بمصير الأموال والجهات المستفيدة منها.

وتستطيع السعودية والإمارات ودول خليجية أخرى إثارة مسألة الأضرار الناتجة من الهجمات التي استهدفت منشآت النفط والمطارات والسفن التجارية، فضلاً عن كلفة حماية الملاحة وتأمين الممرات البحرية. ويزداد الأمر تعقيداً عندما تنسب هذه الهجمات إلى جماعات مدعومة من إيران، إذ يتطلب تحميل طهران المسؤولية إثبات سيطرتها الفعلية أو توجيهها للعملية المحددة، لا مجرد وجود علاقة سياسية أو مالية بينها وبين الجهة المنفذة.

إيران وأميركا، مطالبات متبادلة

تطالب إيران الولايات المتحدة وإسرائيل بتعويضها عن أضرار الحروب والعمليات العسكرية، وتربط الملف برفع العقوبات والإفراج عن أصولها المجمدة. وفي المقابل، طالب الرئيس الأميركي دونالد ترامب طهران بتعويضات عن قتلى ومصابين أميركيين قال إن إيران مسؤولة عنهم خلال عقود، ووسع مطالبته لتشمل أضراراً وضحايا في لبنان وسوريا وغزة.

وتملك الولايات المتحدة أدوات ضغط لا تتوافر لكثير من الدول، أبرزها العقوبات والسيطرة على مسارات مالية دولية والقدرة على تجميد الأصول. كما أصدرت محاكم أميركية أحكاماً لصالح ضحايا عمليات نسبت إلى إيران، إلا أن تنفيذها يثير نزاعات بشأن الحصانة السيادية وملكية الأصول الإيرانية.

لذلك قد تستخدم الأموال المجمدة وسيلة تفاوض، بدلاً من دفع تعويضات مباشرة استناداً إلى حكم دولي.

بين القانون والتسوية السياسية

تبقى المشكلة الكبرى في تحديد المحكمة المختصة وآلية التنفيذ. فمحكمة العدل الدولية تحتاج إلى أساس قانوني يتيح لها النظر في النزاع، بينما تحاكم المحكمة الجنائية الدولية الأفراد على الجرائم الدولية، ولا تعمل بوصفها محكمة عامة لتسوية فواتير الدمار بين الحكومات.

لذلك يرجح أن تدخل التعويضات ضمن صفقات سياسية أوسع، تشمل رفع العقوبات، والإفراج عن الأصول، وإلغاء بعض الديون، وضمان أمن الملاحة في الخليج، وإنشاء صناديق دولية لإعادة الإعمار تساهم فيها الولايات المتحدة ودول الخليج والاتحاد الأوروبي. وقد تربط مساهمة الخليج بضمانات سياسية وأمنية وبمنع وصول الأموال إلى الجماعات المسلحة.

ولا يقتصر الخلاف على تحديد من يدفع، بل يمتد إلى الجهة التي ستتولى إدارة أموال التعويض وإعادة الإعمار. فالولايات المتحدة تستطيع التأثير من خلال العقوبات والأصول المجمدة والمؤسسات المالية الدولية، أما دول الخليج فقد تشترط وجود رقابة مستقلة وضمانات تمنع تحويل الأموال إلى شبكات مسلحة.

ومن هنا، تصبح إدارة التعويضات جزءاً من الصراع على شكل النظام الإقليمي بعد الحرب، لا مجرد مسألة محاسبية أو قانونية.

ومهما تكن صيغة التسوية، تقتضي العدالة منح الأولوية للضحايا وأسر القتلى والنازحين وأصحاب الممتلكات، مع اعتماد آليات شفافة للتحقق والتوزيع. وإلا تحولت التعويضات إلى أرقام ضخمة تستخدمها الحكومات للمساومة، فيما يبقى الأفراد الذين تحملوا الكلفة الحقيقية للحروب خارج الحسابات.

تعليقات: