
كتاب «من شذا الذاكرة» للأديب المربي علي محمد خليل
في ذاكرة القرى تبقى بعض الشخصيات حيّة مهما ابتعد الزمن، لا لأنها شغلت منصباً أو امتلكت شهرة واسعة، بل لأنها صنعت فرح الناس وكانت جزءاً من تفاصيل حياتهم اليومية. ومن هذه الشخصيات في الخيام عيسى الجلبوط، موسيقار الضيعة الذي ارتبط اسمه بصوت المجوز، وحلقات الدبكة، والأعراس، والسهرات التي كانت تجمع الناس على البساطة والمحبة والفرح.
وقد استعاد الأستاذ علي محمد خليل صورته في كتابه «من شذا الذاكرة»، فرسم لنا ملامح رجل لم يكن مجرد عازف، بل كان جزءاً من المشهد الخيامي الجميل في زمن مضى، حيث يقول عنه:
كان عيسى في العقد السادس من عمره عندما كنا نلحق به لنسمع صوت مجوزه وهو يصدح في وسط حلقات الدبكة والرقص في مناسبات الأعياد والأعراس...
عيسى هذا هو موسيقار الضيعة بلا منازع، فلا أفراح ولا سهرات جميلة إلا على وقع مجوزه الذي أتقن صنعه من قصبتين صغيرتين حصل عليهما من بستان جاره أبو فريد.
هو ديك الضيعة، فخور بنفسه، معتدّ. شوارب معقوفة في طرفيها، وحاجبان كثيفان كحزمتي قش، وعينان جاحظتان تكادان تخرجان من محجريهما، وخدان أحمران منتفخان من كثرة النفخ.
لباسه عربي أصيل: قمباز أسود نظيف، وعقال مقصّب، وشال جميل من صنع زوجته أم يوسف، التي كان يؤرقها حب النسوة لزوجها وإعجابهن به...
كان عيسى يقف في وسط حلقات الرقص والدبكة، نافخاً بمجوزه، فيلهب حماس الصبايا والشباب، فيُسمع أنين الأرض تحت أقدامهم، فتسارع الأصوات الحلوة بالغناء، ويعلو الهتاف والتصفيق.
كنا نحن الصغار نرمقه بعيون مندهشة حاسدة، عندما كانت الصبايا يقدّمن له شراب التوت وحبات اللوز والجوز، وهو يبتسم لهن بهيام الشباب...
هكذا كان أهل القرية يقضون مناسبات الفرح بتواضع، في أجواء حالمة ساحرة، تحت سماء مزدانة بالنجوم، وقمر باسم، بل فرح لفرح أصدقائه وأحبابه من بسطاء الناس الطيبين.
...
بالإضافة إلى ذلك، يضيف الدكتور علي عواضة:
وعلى أنغام مجوزه، كان عيسى يختار أحد الدبيكة ويدور معه وجهاً لوجه، ولا يتركه حتى يغني ردّة من «على دلعونا»، وأحياناً من «يا ظريف الطول» بصوت شخص من آل ذيب عواضة. أعجبني منها:
يا ظريف الطول طولك هدّني
كنت رايح بطريقي ردّني
هللا هللا يا دني شو هالدني
جافيتنا ونسّيت أيام الهنا
...
رحم الله عيسى الجلبوط، ورحم تلك الأيام وأهلها.
فقد كان مجوزه أكثر من آلة موسيقية؛ كان صوتاً للفرح، ونبضاً للساحات، ورفيقاً لخطوات الدبكة وضحكات الناس. رحل عيسى، لكن صدى مجوزه بقي عالقاً في الذاكرة، يعيدنا كلما استحضرناه إلى خيامٍ بسيطة وجميلة، كانت أفراحها تُصنع بالقليل، لكن قلوب أهلها كانت ممتلئة بالمحبة والفرح.
وهكذا تبقى أمثال هذه الحكايات الصغيرة هي التي تحفظ الذاكرة الخيامية، وتعيد الحياة إلى وجوه وأصوات ومشاهد لولا تدوينها لأخذها الزمن معه.
صباح أبوعباس

الأستاذ علي محمد عبدو خليل

السيدة صباح أبو عباس
الخيام | khiyam.com
تعليقات: