
طالما أنّنا نتحدّث عن طفولتنا والدراسة يمكن القول إنّ هذه الطفولة كانت غنيّة بالحوادث والشيطنة. كانت شوارع البلدة وساحاتها ومرج الخيام مسرح لهونا وعبثنا ولعبنا وشقاوتنا. هناك أمور حصلت معنا لا يمكن تصوّرها. كنّانشكّل ما يُسمّى عصابات، لكلّ حيّ عصابته حيث كانت تجري المواجهات والتحدّي من مختلف الأنواع، لدرجة أنّ إحدى هذه "العصابات" في أحد الأحياء حاولوا محاكمة أحد أفراد عصابة أخرى من خلال تعليقه على حبل مشنقة مدلّى من إحدى الشجرات. لم يكن هدفهم القضاء عليه بقدر ما كان تقديم عمليّة محاكمة تقليدًا للكبار. عندما رأوه مدلًّى بالحبل اعتراهم الخوف من هول المشهد، ولم يعرفوا كيفيّة التصرّف وإنقاذه، فعمدوا إلى الفرار تاركين هذا المسكين "أحمد"، المدلّى من حبل المشنقة حول رقبته، يتراقص ألمًا. لحسن الحظ صودف مرور أحد الأشخاص الذي قام بإنقاذه في اللحظات الأخيرة، وقد وصل خبث رفاقه إلى حدود تسميّته بأحمد المشنوق! حادثة أخرى حصلت معي أثناء مرور "أحمد" آخر من حي ثانٍ كان قد اعترضني في حيّه محاولًا ضربي مع رفاق له. إغتنمتُ أحد الأيّام فرصة مروره في حيّنا لأقف بوجهه معترضًا بهدف محاسبته على ما بدر منه سابقًا اتجاهي، فما كان منه إلّا سحب السكين من جيبه هاجمًا عليّ محاولًا طعني. لم أهرب، بل حاولت تجنّب ضرباته قبل أن يتجمّع الغيورون الذين هالهم الأمر، وقاموا بتفريقنا عن بعض.
قصص الأفاعي:
عند عودتي من المدرسة إلى منزل الأهل بعد انتهاء الدوام الرسميّ (كانت الدراسة تمتدّ حتى الرابعة عصرًا)، كنتُ أرمي شنطة الكتب في المنزل راكضًا باتجاه الخارج منزلقًا نحو المرج لممارسة حرّيّتي والتعويض عن الحبس اليوميّ داخل الصفوف. غالبًا ما كنّا مجهّزين بأدوات الصيد، الرياضة المفضّلة لدينا حينها، عبارة عن النقيفة والفخّ قبل أن يتطوّر الامر إلى بندقيّة "الأم حبّة" ثمّ "الدكّ" التي نلقّنها البارود والخردق، وصولًا إلى الخرطوش فيما بعد.. لم تسلم الطيور على أنواعها وأحجامها من طلقاتنا، حتّى الأفاعي لم تسلّم من شقاوتنا التي كادت أكثر من مرّة أن تودي بحياتي ثمنًا لذلك؛ فقد قمتُ إحدى المرّات بالتحرّش بأفعى كبرى كانت قد دخلت حائطًا من الحجارة الموضوعة فوق بعضها، كما كانت تُبنى سابقًا. قمتُ بالتقاط ذنبها، لمنعها من الدخول، ثمّ أخذتُ بإزالة الحجارة للتمكّن من الإمساك بها جيّدًا. كنتُ أتصرّف بكلّ ثقة وتحدٍّ وغباوة، بل قمتُ بإطلاق النار على جسدها الكبير والطويل لأستمرّ بسحبها إلى الخارج. في هذا الوقت وجدتْ الأفعى نفسها غير قادرة على الاستمرار بالهرب عبر فتحات الحجارة والحائط، أخذتْ بالتراجع، وأصابعي ويداي تتقدّمان باتجاه رأسها للتمكّن منها. لم أنتبه لسوء فعلتي، وما يمكن حصوله ودفع ثمن شقاوتي وغبائي؛ أخذتْ بالتراجع ناحيتي بعد أن أيقنت أن لا مفرّ لها، وعليها المواجهة، فأفضل وسيلة للدفاع هو الهجوم، أخذت بالالتفاف على يديّ الممسكتين بها، واللتين أخذ الخدر منهما. أصبح الأمر معكوسًا؛ صرتُ الضحيّة، ولم يعد بإمكاني إفلاتها. انعكس السحر على الساحر، فهي التي تُمسك بي الآن. استمرّ الأمر إلى حين ظهور الرأس. كان بإمكانها قتلي بلسعة واحدة، لولا العناية الإلهيّة ووجود صديقي "سلمان" الذي يحمل بندقيّة الدكّ متأهّبًا. أنقذ حياتي بتفجير رأسها. قمنا بتعليقها على غصن زيتونة لتتدلّى نحو الأرض حيث بلغ طولها حدًّا لم نكن نتوقّعه. مرّ الناطور المولج بحراسة الأشجار والكروم في المنطقة، حيث سردنا له ما حصل، فقام بتأنيبي بقوله لقد أنقذك الله، ولا تُكرّر هذا العمل الطائش.
في حادثة أخرى، تمّ التحرّش بأفعى عملاقة في منطقة "المجيديّة"، أسفل جبل الشيخ، كانت ترتاح بين الأعشاب الطويلة مغازلة حرارة الشمس القويّة. أطلقتُ النار عليها من بندقيّتي عليها. لقد عكّرتُ عليها أنسها ودفأها، فلم يكن منها سوى الاستدارة باتجاهي والهجوم. لم أصدّق الأمر المهول، وما أوقعتُ نفسي به؛ هي أفعى وحش من وحوش المنطقة لم أرَ لها مثيلًا في حياتي. في البداية كانت ممدّدة بين الأعشاب التي غطّتها، ولم أنتبه سوى لجزء صغير منها يتصل بذنبها. لم أتوقع حجمها الهائل! لم بكن أمامي سوى الانطلاق نزولًا كالصاروخ باتجاه الشارع عبر قفزات كبيرة، وكأنّي أمارس الطيران في الهواء، والأفعى الوحش "المعمّرة" تسرع بهجومها ورائي.. لحسن الحظ وصلتُ إلى الشارع وأنا أرمي نظرات سريعة ورائي حتّى تأكّدتُ من خلو المكان منها. لا أعرف أين ذهبت وكيف! بل كيف أمكنني الإفلات منها ومن سرعتها، لكنّي كنتُ أركض كالسهم المجنون.. حمدتُ الله كثيرًا واعدًا نفسي بعدم التحرّش بتلك المخلوقات.. وغيرها الكثير والكثير..
كرم التين:
ولكي لا نقصر الأمر على العنف والحوادث والتصرّفات الرعناء، فقد كنّا نقضي أيّامًا جميلة طيلة الصيف في كرم التين الذي كنّا ندفع بدل إيجاره كي نقوم بحراسته ليلًا نهارًا عبر النوم في الخيمة المنصوبة في الكرم، ونعمد إلى قطف التين ووضعه في صناديق لإرساله مع صاحب البوسطة لبيعها في بيروت، ونقبض ثمنها الزهيد.. لم نكن الوحيدين في المنطقة، بل كان هناك آخرون يماثلوننا فعلًا وهدفًا؛ قضينا وإياهم أيّامًا وسهرات جميلة لا تُنسى في تلك الكروم وعلى ضفاف نبع الدردارة الساحر.
طفولة مليئة بسرديّتها ولهوها وجمالاتها وحلوها ومرّها.. نحنّ كثيرًا إليها، وأبكي حين أتذكّرها..
(ملاحظة: لقد أوردتُ الكثير منها في كتابي "غرنيكا الخيام..")..
الخيام | khiyam.com
تعليقات: