
بعد أن ثبت في الجزء الخامس أن مرج عيون أصبح اسماً للمجال الجغرافي نفسه، وأنه ظهر في المصادر الوسيطة بوصفه حوضاً معروفاً، ننتقل الآن إلى السؤال الأهم: كيف توزعت المراكز داخله؟
وهنا تظهر لأول مرة مادة أكثر مباشرة، لأنها لا تتحدث عن المرج بصورة عامة، بل تسمّي المواضع التي تشغله.
1. دبين والعيون: استمرار الارتباط بالمركز القديم
من أهم الشواهد التي وصلت إلينا في وصف مرج عيون ما أورده محمد كرد علي في رحلته إلى جنوب لبنان سنة 1911، ناقلاً عن المصادر الجغرافية السابقة:
«عيون هي دبين، وهي قرية على ميلين شمالي جديدة مرج عيون، وعلى تل دبين آثار قديمة ذات شأن، وقيل هي الخيام على ميلين إلى الجنوب الشرقي من الجديدة».
وتكمن أهمية هذا النص في أنه يحفظ لنا تعدد الروايات حول تحديد إيون، لكنه في الوقت نفسه يثبت موقع دبين داخل الحوض بصورة واضحة: دبين تقع شمال جديدة مرج عيون، وتحمل آثاراً قديمة ذات شأن.
ولا نستخدم عبارة «وقيل هي الخيام» لإثبات أن الخيام كانت إيون؛ فهي رواية مقابلة تحتاج إلى بحثها في موضعها. وإنما نثبت منها أن الخيام كانت بالفعل موضعاً معروفاً داخل المجال نفسه عندما جُمعت هذه الروايات.
والأهم أن دبين لم تعد هنا مجرد اسم أثري؛ بل تظهر بوصفها قرية قائمة داخل الحوض.
2. أبل السقي تظهر كمركز إداري أقدم
يقدم المصدر نفسه شاهداً أكثر أهمية يتعلق بـ أبل السقي.
فبعد وصف موضعها بالنسبة إلى مرج عيون، ينقل عن ابن خرداذبه:
«والغالب أن أبل السقي كانت بعد الإسلام مقر عمل تلك الكورة، بدليل ما قاله ابن خرداذبه: كورة السقي وجرثبة والحولة».
وهنا لدينا شاهد تاريخي مهم، وإن كان بصيغة الترجيح.
فابن خرداذبه، الذي سبق أن استخدمناه لإثبات «العيون»، يذكر كورة السقي ضمن التقسيمات الجغرافية والإدارية الإسلامية.
وبناءً على ذلك، يرجح المصدر المتأخر أن أبل السقي كانت مركز عمل الكورة بعد الإسلام.
وهذا لا يعني أن أبل السقي كانت عاصمة مرج عيون كلها، ولا أن الخيام لم تكن موجودة؛ لكنه يكشف أن الحوض ومحيطه لم يكونا تابعين لمركز واحد ثابت عبر جميع العصور، بل كانت الوظيفة الإدارية قابلة للانتقال بين المواضع.
وهذه نقطة أساسية في فهم التحول الذي نبحث عنه.
3. أبل السقي وأبل القمح
ولا تظهر أبل السقي منفردة في هذا الوصف.
فالنص يحدد موقعها ويقول:
«قرية أبل، ويقال لها أبل السقي تمييزاً لها عن أبل القمح من أعمال مرج عيون أيضاً».
وهذه عبارة ذات قيمة كبيرة، لأنها تثبت وجود موضعين باسم أبل داخل المجال الجغرافي نفسه، وتمييز أحدهما بـ«السقي» والآخر بـ«القمح».
وبذلك يصبح لدينا شاهد مباشر على أن مرج عيون لم يكن اسماً لمدينة واحدة، بل مجالاً يضم قرى متعددة ذات وظائف وأسماء مختلفة.
وهذا يتفق مع الفكرة التي يقوم عليها بحثنا، لكننا هنا لا نستنتجها من الجغرافيا وحدها؛ بل نجدها مصرحاً بها في وصف المواضع نفسها.
4. ظهور الخيام داخل هذا المشهد
ثم تأتي العبارة الأهم بالنسبة إلى مسار بحثنا:
«وفي منتصف الوادي على نفس السطح الذي قامت عليه قرية أبل، قرية الخيام أو الخيم».
هذه أول مرة في التسلسل الذي وصلنا إليه يظهر فيها اسم الخيام بوضوح داخل وصف جغرافي متكامل للحوض، إلى جانب الجديدة وأبل السقي وأبل القمح.
لكن النص لا يقول إن الخيام كانت مركز الحوض في هذه المرحلة.
وهذا مهم جداً.
فالشاهد يثبت وجود الخيام ضمن البنية المكانية للحوض، لكنه لا يمنحها بعد وظيفة المركز السياسي أو الإداري.
وبالتالي لا ينبغي أن نقفز من مجرد ظهور الاسم إلى نتيجة «انتقال المركز».
5. ثلاثة مراكز في مجال واحد
ويقدم النص نفسه عبارة شديدة الأهمية:
«والجديدة والسقي والخيام ثلاث بلدان كأنها بلد واحد ذات ثلاثة أحياء».
هذه العبارة، وإن كانت تصف الوضع الذي رآه المؤلف في زمنه، تكشف بوضوح التقارب الجغرافي والعمراني بين ثلاثة مراكز داخل المجال نفسه.
وهذا الشاهد يخدم فرضية البحث بطريقة أكثر دقة من القول إن الخيام كانت مركزاً منذ البداية.
فهو يظهر أن:
جديدة مرج عيون + أبل السقي + الخيام
كانت تشكل، في نظر الوصف الجغرافي، مجموعة عمرانية مترابطة.
وهذا يفسر لماذا لا ينبغي أن نبحث عن «مدينة واحدة» في كل مرحلة من تاريخ الحوض؛ فقد يتحول مركز الثقل بين مجموعة من التجمعات المتقاربة بحسب الوظيفة والزمن.
6. مرج عيون كحوض متعدد المراكز
ويضيف المصدر نفسه وصفاً جغرافياً يحيط بهذا المجال من جميع الجهات:
«وإلى شرق مرج عيون جبل الشيخ وقراه، وإلى الجنوب بلاد بشارة وبحيرة الحولة، وإلى الغرب قرى بلاد الشقيف، وإلى الشمال جبل الريحان وتومات نيحة أو شقيف تيرون».
وهذا الوصف لا نحتاج إلى تكراره لشرح حدود الحوض التي تناولناها في الأجزاء السابقة، لكن قيمته هنا أنه يأتي ضمن وصف المراكز الموجودة داخله.
فالكاتب ينتقل من المجال العام إلى القرى:
الجديدة → أبل السقي → أبل القمح → الخيام → دبين.
وبذلك تبدأ الصورة التي نحتاجها في هذا البحث بالظهور: الحوض الواحد لا يعني بالضرورة مركزاً سكانياً واحداً.
7. ماذا نستطيع أن نثبت عن الخيام في هذه المرحلة؟
من المهم أن نلتزم هنا بحدود الدليل.
لدينا الآن شاهد واضح على أن:
اسم الخيام أو الخيم كان معروفاً داخل مرج عيون.
الخيام كانت تقع في موضع محدد بالنسبة إلى أبل السقي والجديدة.
كانت جزءاً من مجموعة مراكز متجاورة داخل الحوض.
لم يرد في الشاهد الذي بين أيدينا ما يكفي لإثبات أنها كانت آنذاك المركز الإداري أو السياسي للحوض.
وهذا يختلف عن النتيجة التي سنبحث عنها لاحقاً.
فالمطلوب ليس إثبات وجود الخيام فقط؛ فهذا أصبح ثابتاً.
المطلوب هو معرفة متى تغيرت وظيفتها من قرية ضمن مجموعة مراكز إلى مركز له ثقل مستقل.
8. شاهد تاريخي أقدم على اسم الخيام
وتوجد إشارة تاريخية مهمة تتقدم بنا خطوة أخرى.
ففي دراسة تتناول الصراع الديني والسياسي في جبل عامل في القرن الثامن الهجري، عند الحديث عن الشهيد الأول محمد بن مكي الجزيني، يرد ذكر أحد أتباع الشيخ محمد اليائوسي باسم:
«نقي الدين الجلي أو الخيامي (نسبة إلى الخيام، إحدى أمهات قرى جبل عامل من قرى مرجعيون)».
وهذا الشاهد مهم لأنه يعود إلى القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي، ويستخدم «الخيامي» نسبةً إلى الخيام.
أي أن اسم الخيام لم يكن مجرد اسم جغرافي هامشي، بل كان قد أصبح اسماً معروفاً لقرية ينتسب إليها الأشخاص في جبل عامل.
والأهم أن المصدر يصفها صراحة بأنها:
«إحدى أمهات قرى جبل عامل من قرى مرجعيون».
وهذا وصف أقوى بكثير من مجرد إثبات وجود الاسم.
فهو يدل على أن الخيام كانت في ذلك العصر من القرى الرئيسية في منطقة مرجعيون.
لكن حتى هنا يجب ألا نخلط بين «قرية رئيسية» و«عاصمة الحوض»؛ فالمصدر لا يقول إنها كانت مركز القضاء أو الإدارة.
9. النتيجة التي تضيفها هذه المرحلة
بهذه الشواهد نصل إلى نقطة جديدة في البحث لم تكن متاحة لنا في الأجزاء السابقة.
ففي المراحل القديمة كان مركزنا هو إيون/تل دبين.
ثم أصبح لدينا في العصر الإسلامي الوسيط مجال جغرافي اسمه مرج عيون.
والآن تظهر داخل هذا المجال عدة مراكز واضحة:
دبين، أبل السقي، أبل القمح، الجديدة، والخيام.
كما يظهر شاهد من القرن الرابع عشر يصف الخيام بأنها:
«إحدى أمهات قرى جبل عامل من قرى مرجعيون».
وهذا يعني أن الخيام كانت قد اكتسبت بحلول ذلك الوقت مكانة ملحوظة بين قرى المنطقة.
لكننا لم نصل بعد إلى إثبات انتقال مركز الحوض إليها.
وهذا بالضبط ما يجب أن نبحث عنه في الجزء التالي.
خلاصة الجزء السادس
تقدم لنا المصادر الوسيطة والمتأخرة صورة أكثر وضوحاً لبنية الحوض.
فدبين تظهر مرتبطة بإيون القديمة وبآثار مركز قديم كبير.
وتظهر أبل السقي مرتبطة بتقسيم إداري إسلامي قديم، مع ترجيح أنها كانت «مقر عمل تلك الكورة».
وتظهر أبل القمح كموضع آخر من أعمال مرج عيون.
ثم تظهر الخيام أو الخيم في منتصف الوادي ضمن المجال نفسه.
وتقدم لنا العبارة:
«والجديدة والسقي والخيام ثلاث بلدان كأنها بلد واحد ذات ثلاثة أحياء».
دليلاً بالغ الأهمية على أن المجال كان يضم مراكز متقاربة ومترابطة، لا مركزاً واحداً ثابتاً.
ثم يأتي الشاهد الأقدم الذي عثرنا عليه حتى الآن على مكانة الخيام في العصر الوسيط، حين يُنسب أحد علماء القرن الثامن الهجري إلى الخيام، ويصفها بأنها:
«إحدى أمهات قرى جبل عامل من قرى مرجعيون».
وهنا يبدأ التحول الذي يهمنا فعلاً.
الخيام لم تعد مجرد اسم ظهر داخل الحوض؛ أصبحت واحدة من قراه الرئيسية.
لكن السؤال التالي يبقى قائماً:
هل كانت الخيام قد بدأت بالفعل تحل محل دبين في وظيفة المركز، أم أن تعدد المراكز استمر حتى ظهور مركز جديد هو جديدة مرج عيون؟
وسيكون الجزء السابع مخصصاً لهذه النقطة تحديداً، مع الانتقال إلى العهد المملوكي ثم العثماني، حيث تصبح المصادر الإدارية أكثر قدرة على تحديد وظيفة كل مركز ومكانته داخل الحوض.
المصادر الرئيسية
ابن خرداذبه، المسالك والممالك — ذكر «كورة السقي» ضمن التقسيمات الجغرافية الإسلامية، و«العيون» ضمن طريق بعلبك–طبرية.
محمد كرد علي، رحلة إلى جنوبي لبنان عام 1911 — وصف مرج عيون ومراكز دبين، أبل السقي، أبل القمح، الخيام وجديدة مرج عيون، ونقله عن المصادر الجغرافية السابقة.
محسن الأمين، أعيان الشيعة — الشاهد المتعلق بنقي الدين الجلي/الخيامي، ووصف الخيام بأنها من أمهات قرى جبل عامل من قرى مرجعيون.
محمد جابر آل صفا، تاريخ جبل عامل — السياق التاريخي لجبل عامل والقرى والمراكز العاملة فيه.
المصادر الجغرافية الإسلامية الوسيطة، ولا سيما أبو الفداء وياقوت الحموي — لتتبع استعمال أسماء مرج عيون والسقي وآبل والمراكز المحيطة.
المصادر الأثرية المتعلقة بتل دبين — لتثبيت استمرار أهمية الموقع القديم وآثاره داخل الحوض.
المهندس جلال يوسف عبدالله
الخيام | khiyam.com
تعليقات: