
قبل عام 1948، كانت العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين الخيام ومحيطها مرتبطة إلى حدّ كبير بجبل عامل وفلسطين وسورية، ولا سيما دمشق. أما العلاقة مع بيروت فكانت أضيق، وتتركز أكثر في الجوانب السياسية، مع وجود محدود لبعض الروابط الاقتصادية والاجتماعية.
ويعود ذلك جزئياً إلى الإرث الإداري للعهد العثماني، حين كان الجنوب وجبل عامل خارج نطاق متصرفية جبل لبنان، ويرتبطان إدارياً بولايات أخرى. وقد بقي أثر هذه الروابط قائماً، وإن تراجع تدريجياً، حتى احتلال فلسطين وقيام دولة الكيان الغاصب (المسمى اسرائيل) عام 1948، حيث انقطعت العلاقات المباشرة معها بصورة شبه كاملة، وترافقت تلك المرحلة مع نزوح وهجرة أعداد كبيرة من الفلسطينيين إلى الدول المجاورة، ومنها لبنان.
قبل النكبة: فلسطين مقصد للعمل والتجارة
خلال الفترة الممتدة من نهاية الحكم العثماني عام 1918 وحتى عام 1948، قبل قيام هذا الكيان الغاصب، بقيت حركة العمل والتجارة والتنقل بين جبل عامل وفلسطين نشطة، ولا سيما مع توفر فرص العمل وارتفاع قيمة الجنيه الفلسطيني المرتبط بالجنيه الإسترليني.
وقد شجّع ذلك كثيراً من العمال والحرفيين وأصحاب المهن ورجال الأعمال على التوجه إلى المدن الفلسطينية، وخصوصاً حيفا، التي كانت ميناءً رئيسياً ومركزاً اقتصادياً مهماً، إضافة إلى طبريا والناصرة والقدس.
وكان هذا ينطبق أيضاً على أبناء الخيام، الذين قصد عدد منهم فلسطين للعمل بمختلف المهن.
من الخيام إلى حيفا
ومن بين هؤلاء كان والدي، الذي ترك مهنة البناء في الخيام وتوجه إلى حيفا، حيث حصل على عمل في شركة «شل».
وفي البداية، كان عليه تأمين مكان للإقامة قبل أن يصطحب الوالدة. وقد وجد مسكناً في الطابق الأرضي لأحد المنازل المطلة على رأس حيفا، قريباً من الشاطئ، ثم انتقل لاحقاً إلى غرفة في دار واسعة وسط حيفا، في شارع النسناس، قرب السوق ومكان عمله بالقرب من الميناء.
وكانت هذه الدار مؤلفة من عدة غرف حول ساحة واسعة، وقد استأجرها عبد القادر قدومي، المتزوج من السيدة سنية الشقراوي من الخيام.
لكن الإقامة هناك لم تدم طويلاً، لأن الغرفة كانت واحدة فقط، فيما المطبخ وبقية الخدمات مشتركة. لذلك انتقل الوالد إلى ضواحي حيفا، حيث اشترى قطعة أرض وبنى عليها غرفة ومطبخاً ومرافق مستقلة، واستقر فيها حتى أحداث النكبة والتهجير.
كيف كان التواصل مع الأهل؟
يبقى السؤال: كيف كان التواصل بين المغتربين في فلسطين وأهلهم في الخيام؟
في تلك الفترة، لم يكن الهاتف متوفراً كما نعرفه اليوم، ولذلك كانت وسائل التواصل محدودة جداً.
وكانت إحدى أهم الوسائل التي اعتمد عليها الخياميون سيارة اشتراها أحد أبناء البلدة، محمد عبدو صادق، وخصصها للتنقل بين الخيام وحيفا وجوارها، ونقل الأخبار والمؤن والرسائل بين العائلات.
وقد كان والدي يرسلني أنا وإخوتي في كل صيف لقضاء فترة عند الجد والجدة، ولا سيما جدة الوالدة، التي كانت تغمرنا بالرعاية والحنان.
وظل هذا النمط قائماً حتى النكبة وسقوط حيفا، حين اضطر الأهل إلى ترك منزلهم في بلد الشيخ والعودة إلى الخيام، فعاد الوالد إلى ممارسة مهنته القديمة في البناء.
بعد انقطاع الطريق إلى فلسطين
بعد عام 1948، انقطعت الصلة المباشرة مع فلسطين، واتجه كثير من أبناء الخيام نحو بيروت، التي أصبحت المركز الرئيسي للعمل والدراسة وقضاء المعاملات.
وكان الانتقال إلى بيروت يتم أساساً بواسطة «البوسطات»، أي الحافلات، إلى جانب عدد محدود من السيارات الصغيرة، ومنها سيارة عبد النبي سويد وغيرُها.
البوسطات.. شريان الخيام نحو بيروت
كانت حركة النقل الأساسية تعتمد على البوسطات، التي تنطلق صباحاً تباعاً؛ الأولى عند مطلع الضوء، ثم تتبعها ثانية بعد نحو ساعة، ثم ثالثة بعد ذلك.
وكانت تتوقف في البلدات والقرى الواقعة على الطريق، فتقلّ الركاب وتحمل معهم ما يرسلونه إلى أبنائهم وأقاربهم في بيروت من «زوادة»: خبزاً، وخضاراً، وحبوباً، وما يتوفر من مواد غذائية.
وكان الأهل يرافقون أبناءهم أو أقاربهم المسافرين إلى الساحة العامة لوداعهم.
وفي مكان انتظار البوسطات، كان عبد القادر قدومي يجلس وأمامه إبريق القهوة، فيقدمها لمن لم يتمكن من شربها في منزله، مقابل بدل بسيط.
أشهر البوسطات والسائقين
كانت هناك ثلاث بوسطات رئيسية معروفة في تلك الفترة:
واحدة يقودها أبو فتحي الكالوس «سويد».
الثانية كانت بإشراف «الأجرد».
الثالثة بإشراف إبراهيم عيسى.
وكان يعاون السائق في بعض الرحلات عامل مسؤول عن الأمتعة والركاب، ومنهم عبدالله خاتون وغيرُه.
وكانت هذه البوسطات تتجمع في «مراح مرجعيون»، جنوب مباني العازارية بنحو خمسين متراً، ثم تعود منطلقة بنفس الترتيب التي انطلق اولا ثم تعقبها بعد فترة الثانية فالثالثة.
طريق طويل يخدم القرى كلها
لم تكن هذه البوسطات مخصصة لأبناء الخيام وحدهم، بل كانت تخدم مختلف القرى والبلدات الواقعة على الطريق بين الخيام وبيروت.
وكان الطريق يمتد لأكثر من مئة وعشرة كيلومترات، مروراً بمرجعيون والنبطية وصيدا، ثم على الطريق الساحلية القديمة قبل إنشاء الأوتوستراد.
وكانت البوسطة الواحدة تتسع لنحو عشرين راكباً، إضافة إلى السائق ومعاونه، الذي كان يتولى تنظيم الأمتعة ومتابعة حركة الركاب.
نهاية عصر البوسطات
استمرت هذه الوسيلة أساسية في التنقل بين الخيام وبيروت حتى أواخر الستينيات تقريباً، ثم بدأ الاعتماد عليها يتراجع تدريجياً مع انتشار السيارات الصغيرة الأسرع والأكثر راحة.
وتوسعت حركة هذه السيارات لتشمل القرى والبلدات المجاورة، كما ازداد عدد السيارات الخاصة، وخصوصاً مع تزايد أعداد الموظفين في إدارات الدولة ومؤسساتها، حيث فرضت طبيعة العمل مواعيد دقيقة للحضور والانصراف.
وهكذا بدأت مرحلة جديدة من التنقل، وانتهى تدريجياً الزمن الذي كانت فيه البوسطات هي الشريان الرئيسي الذي يربط الخيام ببيروت وسائر المناطق.
فايز أبو عبّاس
الحدث – 2/9/2026

المرحوم الحاج عباس أبو عباس (والد الأستاذ فايز)
الخيام | khiyam.com
تعليقات: