الخيام عبر العصور - الجزء الثاني عشر:ترسيم الحدود.. حين انقسم المجال التاريخي لمرج عيون


إذا كان سقوط الدولة العثمانية قد غيّر السلطة التي حكمت الخيام، فإن السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الأولى أحدثت تحولاً أعمق: بدأ المجال الجغرافي الذي عاشت فيه الخيام وقرى مرج عيون قروناً طويلة يتحول إلى مجال مقسوم بحدود دولية حديثة.

فحتى تلك اللحظة، كانت السلطات تتغير، وتتبدل الزعامات، وتنتقل الجيوش، لكن الأرض والقرى والطرق والمياه بقيت ضمن فضاء جغرافي واحد. أما بعد الحرب، فقد أصبحت هذه الجغرافيا نفسها موضوعاً لاتفاقات دولية بين قوتين انتدابيتين.

ومن هنا يبدأ فصل جديد في تاريخ الخيام: لم تعد المسألة من يحكم الحوض، بل أين سيكون الحد الفاصل بين الدول التي ستنشأ فوقه.


1. من المجال العثماني إلى الحدود الدولية

لم يكن سقوط الدولة العثمانية يعني تلقائياً ظهور الحدود التي نعرفها اليوم.

فبعد الحرب العالمية الأولى قسمت بريطانيا وفرنسا مناطق النفوذ في بلاد الشام، وأصبح تحديد الحدود بين فلسطين الخاضعة للانتداب البريطاني، وسوريا ولبنان الخاضعين للانتداب الفرنسي مسألة تحتاج إلى اتفاق جديد.

وفي 23 كانون الأول/ديسمبر 1920 أُنشئ الإطار الذي ستعمل بموجبه لجنة تحديد الحدود، ثم قامت لجنة الحدود بأعمالها الميدانية، وأنجزت تقريرها النهائي في بيروت في 3 شباط/فبراير 1922. وبعد ذلك جرى اعتماد الترسيم باتفاق بريطاني–فرنسي في باريس في 7 آذار/مارس 1923.

وهنا لدينا للمرة الأولى في تاريخ المنطقة وثيقة دولية مباشرة تتحدث عن رسم خط جديد فوق هذه الجغرافيا.


2. نص الوثيقة نفسها

يقول الاتفاق البريطاني–الفرنسي:

“The members of the Boundary Commission ... concluded their labours and drew up a final report at Beyrouth on the 3rd February, 1922.”

ثم يقرر أن الخرائط التي أعدتها اللجنة، بمقياس 1:50,000، أُرفقت بالتقرير، وأن الحكومتين وافقتا على مقترحات اللجنة.

وتحدد الوثيقة أن الخط الذي رسمته اللجنة على الأرض هو الحدود المعتمدة بين المجالين.

وهذه ليست رواية مؤرخ جاء بعد الحدث، بل وثيقة رسمية صادرة عن الحكومتين المنتدبتين.

ولهذا فإنها تمثل نقطة فاصلة في بحثنا: فمنذ هذه اللحظة أصبح من الممكن تحديد اللحظة التي بدأ فيها الخط السياسي الحديث يفرض نفسه على المجال الذي كنا ندرسه حتى ذلك الوقت كوحدة جغرافية وتاريخية.


3. لكن اللجنة نفسها تركت مجالاً للتعديل

والأهم أن الحدود لم تكن منذ البداية نهائية بكل تفاصيلها.

ففي تقرير اللجنة ورد نص صريح يتعلق بالقطاع الواقع بين بانياس والمطلة:

“the British Government shall be free to reopen the question of readjusting the frontier between Banias and Metallah...”

أي أن اللجنة نفسها كانت تدرك أن المنطقة الجنوبية من هذا القطاع تحتاج إلى معالجة خاصة.

وهذا مهم بالنسبة إلى بحثنا، لأن المطلة والخيام والحولة وبانياس تقع كلها ضمن المجال الذي أصبحت حدوده موضع اهتمام استراتيجي مباشر.

فالحدود لم تكن مجرد خط مرسوم على الورق؛ بل كانت عملية تفاوضية استمرت بعد وضع المقترحات الأولى.


4. السكان والمياه يدخلون في صلب المسألة

ومن أقوى النصوص التي ينبغي ألا تُغفل في هذا البحث أن الاتفاق لم يتعامل مع المنطقة باعتبارها مجرد أرض صامتة.

ففي التقرير النهائي ورد:

“The inhabitants of Syria and of the Lebanon shall have the same fishing and navigation rights on Lakes Huleh and Tiberias and on the River Jordan...”

وهذا النص يكشف شيئاً بالغ الأهمية.

فحتى بعد إنشاء الحدود، كان واضعوها يدركون أن المياه والحركة الاقتصادية لا تتوقف عند الخط السياسي الجديد.

وبالتالي احتاج الاتفاق إلى إعطاء سكان سوريا ولبنان حقوقاً في الصيد والملاحة في بحيرة الحولة وبحيرة طبريا ونهر الأردن.

وهذا شاهد رسمي قوي على أن الجغرافيا الطبيعية والاقتصادية للمنطقة كانت أقدم من الحدود السياسية التي حاولت الدول رسمها فوقها.


5. الحولة ليست هامشاً بالنسبة إلى الخيام

وهنا نعود إلى ما أثبته البحث في أجزائه الأولى.

فالحولة لم تكن منطقة منفصلة عن مرج عيون في الحياة الاقتصادية والجغرافية القديمة.

وكانت القرى الواقعة حول المرج مرتبطة بها بالمراعي والزراعة والمياه وطرق الحركة.

ولهذا لم يكن رسم الحدود حول الحولة مسألة بعيدة عن الخيام.

بل إن النص الدولي نفسه يعترف، بصورة غير مباشرة، بأن حقوق سكان الجهة اللبنانية والسورية كانت مرتبطة بالمياه الواقعة في الجانب الفلسطيني الجديد.

وهذا يضيف دليلاً جديداً إلى النتيجة التي وصلنا إليها سابقاً:

الوحدة الجغرافية التي نشأت فيها الخيام لم تكن من صنع الحدود الحديثة، بل كانت موجودة قبلها؛ والحدود جاءت لاحقاً لتعيد تقسيمها.


6. الحدود تقطع المجال الزراعي والاجتماعي

لم يكن الأثر محصوراً في المياه.

فالحدود الجديدة مرت في مناطق مأهولة ومزروعة، وقسمت قرى ومجالات كانت مرتبطة ببعضها.

وتشير الدراسات التاريخية لترسيم الحدود إلى أن العملية أدت إلى تقسيم قرى ومناطق سكانية، وأن سكان المناطق المتأثرة لم يكونوا دائماً قد استُشيروا في عملية الترسيم. كما أن بعض القرى والأراضي وجدت نفسها في دولة مختلفة عن المجال الإداري الذي كانت تتبعه قبل الترسيم.

وهنا يظهر الفرق الجوهري بين النظام القديم والجديد:

في العهد العثماني كان الانتقال من الخيام إلى قرية مجاورة يعني الانتقال داخل الدولة نفسها.

أما بعد الترسيم، فقد أصبح الانتقال من بعض قرى الحوض إلى قرى أخرى يعني عبور حدود دولية.


7. آبل القمح والقرى التي ستُعرف لاحقاً بالقرى السبع

وهذا يقودنا إلى مسألة آبل القمح وسائر القرى التي ستعرف في الذاكرة اللبنانية باسم القرى السبع.

كانت آبل القمح مرتبطة إدارياً بمجال مرج عيون قبل إنشاء الحدود الحديثة، ثم وجدت نفسها في الجانب الفلسطيني من الحدود.

وهنا ينبغي ألا نستخدم تعبير «القرى السبع» وكأنه وصف عثماني سابق للتركيب السياسي؛ فهو وصف ارتبط بالمرحلة اللبنانية–الفلسطينية اللاحقة.

أما الثابت في سياق بحثنا فهو أن مجموعة من القرى التي كانت جزءاً من المجال الإداري والاجتماعي المحيط بمرج عيون أصبحت بعد الترسيم خارج الدولة اللبنانية.

وهذا التحول سيصبح لاحقاً من أكثر القضايا حساسية في تاريخ جنوب لبنان.


8. لماذا كان هذا التحول مختلفاً عن كل ما سبقه؟

لقد عرف الحوض قبل ذلك:

• حكاماً عثمانيين؛

• أمراء شهابيين؛

• زعامات عاملية؛

• سلطة ظاهر العمر؛

• حكام حاصبيا؛

• ثم الإدارة الفرنسية.

لكن أياً من هذه التحولات لم يقطع المجال الجغرافي بالطريقة التي فعلها ترسيم الحدود.

فالسلطة الجديدة كانت تستطيع أن تستبدل حاكماً بآخر.

أما الحدود فغيّرت إمكانية الحركة نفسها.

ومن هنا تبدأ الخيام في اكتساب صفة جديدة ستلازمها طوال القرن العشرين:

بلدة حدودية.


9. الخيام على الجانب اللبناني من الحدود

مع قيام دولة لبنان الكبير وترسيم الحدود الجنوبية، بقيت الخيام داخل لبنان.

لكن موقعها أصبح مختلفاً.

فقد أصبحت قريبة من خط دولي يفصلها عن المطلة والحولة وشمال فلسطين، بعدما كانت هذه المناطق جزءاً من المجال الذي تتحرك فيه الخيام والقرى المجاورة بصورة طبيعية.

وهذا جعل موقع الخيام يتحول من موقع داخل الحوض إلى موقع على حافة دولة.

والفرق بين الوصفين كبير.


10. الحدود والمطلة

وتزداد أهمية هذه المسألة عندما نلاحظ أن وثيقة الحدود نفسها تستخدم اسم Metallah / المطلة عند الحديث عن القطاع الذي كان قابلاً لإعادة النظر.

وهذا يعني أن المنطقة المحيطة بالخيام لم تكن مجرد جزء هامشي من عملية الترسيم، بل كانت ضمن القطاعات التي احتاجت إلى عناية خاصة.

وبالتالي فإن العلاقة بين الخيام والمطلة، التي كانت في السابق علاقة جغرافية واقتصادية داخل المجال نفسه، أصبحت بعد الترسيم علاقة بين بلدة لبنانية ومنطقة تقع وراء حدود دولية.


11. ثم جاءت الحرب العالمية الثانية

بعد نحو عقدين فقط من إنشاء الحدود، أثبتت الحرب العالمية الثانية أن هذه المنطقة لم تفقد أهميتها الاستراتيجية.

ففي حملة سوريا ولبنان سنة 1941 تقدمت القوات البريطانية والكومنولثية من فلسطين نحو لبنان.

وفي 10–11 حزيران/يونيو 1941 دخلت القوات الأسترالية مرج عيون، ثم تعرضت لهجوم مضاد من قوات فيشي الفرنسية. وتشير المصادر العسكرية إلى أن القوات الأسترالية اضطرت إلى الانسحاب من البلدة، قبل أن تستعيدها في 24 حزيران/يونيو.

واللافت هنا أن هذا الحدث يعيد إلى المكان وظيفته القديمة ولكن على مستوى مختلف:

الممر الذي كان مهماً للزعامات المحلية والجيوش الإقليمية أصبح الآن محوراً في حرب عالمية.


12. والخيام نفسها تظهر في الخريطة العسكرية

وتزداد أهمية ذلك لأن الخيام كانت جزءاً من محور العمليات جنوب شرقي مرج عيون.

وتذكر دراسة عسكرية عن حملة 1941 أن القوات الحليفة واجهت مقاومة شديدة عند Khiam fortress جنوب شرقي مرج عيون، قبل أن تتقدم نحو البلدة.

وهذا شاهد عسكري مهم جداً لتاريخ الخيام.

فلم تعد الخيام مجرد قرية تقع بالقرب من مسرح الأحداث، بل أصبح موقعها نفسه جزءاً من الحسابات العسكرية للقوات المتحاربة.

وهكذا، خلال أقل من قرن، انتقل الموقع من:

مجال زراعي متصل → منطقة حدودية → موقع عسكري استراتيجي.


13. مرج عيون مرة أخرى في قلب الصراع

في 1941 دخلت القوات الأسترالية مرج عيون، ثم دارت معارك عنيفة حولها.

وتصف دراسة عسكرية معاصرة للعمليات أن الهجوم بدأ في 10 حزيران/يونيو، وأن القوات الأسترالية دخلت البلدة، ثم شن الفرنسيون هجوماً مضاداً، وتكررت المعارك قبل أن تنسحب قوات فيشي نهائياً في 24 حزيران.

وهكذا نرى أن الموقع الذي كان في القرن الثامن عشر موضع نزاع على الإيرادات، أصبح في القرن العشرين موضع قتال بين قوات بريطانية وأسترالية وقوات فرنسية.

إنه تحول يكشف مقدار التغير الذي طرأ على طبيعة المنطقة.


14. من الحدود إلى الدولة المستقلة

عندما حصل لبنان على استقلاله، لم تعد الحدود مرتبطة فقط بإرادة سلطات الانتداب.

بل أصبحت جزءاً من حدود الدولة اللبنانية المستقلة.

وهنا انتهت مرحلة إعادة الرسم، وبدأت مرحلة جديدة:

كيف ستعيش الخيام بوصفها بلدة حدودية داخل دولة مستقلة؟

والجواب سيظهر سريعاً في الأحداث اللاحقة.

فالحدود التي كانت في البداية خطاً إدارياً بين انتدابين ستتحول تدريجياً إلى حد سياسي وعسكري دائم.

الخلاصة

تكشف الوثائق الدولية عن تحول لم يكن مجرد تغيير إداري.

ففي 3 شباط /فبراير 1922 أنهت لجنة الحدود أعمالها، ثم صدق الاتفاق البريطاني–الفرنسي في 7 آذار/مارس 1923، وأصبح الترسيم نافذاً في 10 آذار.

والأهم أن الوثيقة نفسها تكشف أن واضعي الحدود كانوا يدركون أن السكان والمياه يتجاوزون الخط الجديد، فنصت على حقوق سكان سوريا ولبنان في الصيد والملاحة في الحولة وطبريا ونهر الأردن.

وهذا يجعل الوثيقة شاهداً بالغ القوة على فرضية البحث:

كانت الجغرافيا الاجتماعية والاقتصادية أقدم من الحدود السياسية؛ ولذلك احتاجت الحدود الجديدة إلى أحكام خاصة للتعامل مع المصالح التي لم تكن تعترف أصلاً بهذه الحدود.

ثم أثبتت حرب 1941 أن الموقع الذي كانت له قيمة استراتيجية منذ العصور السابقة احتفظ بهذه القيمة في العصر الحديث؛ فقد أصبحت مرج عيون مسرحاً لمعركة بين قوات الحلفاء وقوات فيشي، بينما دخل موقع الخيام نفسه في الحسابات العسكرية بسبب موقعه جنوب شرقي مرج عيون.

وبذلك نصل إلى نتيجة أكثر دقة من الصياغة السابقة:

لم تُنشئ الحدود الحديثة حوض مرج عيون، ولم تنهِ وحدته الجغرافية والاجتماعية دفعة واحدة؛ لكنها قطعت وحدته السياسية، وأعادت تعريف حركة سكانه وأراضيه ومياهه، وحولت الخيام من مركز داخل مجال تاريخي متصل إلى بلدة على حد دولي.

وهذه هي النقطة التي يجب أن ننطلق منها في الجزء التالي: ماذا فعلت الحدود فعلياً بالخيام بعد الاستقلال؟ أي كيف أثرت في الأرض والسكان والحركة الاقتصادية، ثم كيف تحولت الحدود نفسها من خط إداري إلى مصدر دائم للتوتر والنزاع.


المصادر الرئيسية

• اتفاقية الحدود البريطانية–الفرنسية، باريس، 7 آذار/مارس 1923، مع تقرير لجنة الحدود المؤرخ 3 شباط/فبراير 1922.

• التقرير النهائي للجنة ترسيم الحدود بين لبنان/سوريا وفلسطين، بما فيه النصوص الخاصة بالحولة وبانياس والمطلة وحقوق السكان في المياه.

• دراسات تاريخ ترسيم الحدود والقرى التي قسمت بين المجالين اللبناني والفلسطيني.

• المصادر العسكرية لحملة سوريا ولبنان 1941 ومعركة مرج عيون.

• الدراسات العسكرية التي توثق أهمية موقع الخيام في العمليات جنوب شرقي مرج عيون سنة 1941.

المهندس جلال يوسف عبدالله


تعليقات: