
جنود إسرائيليون يثبتون أسلاكاً شائكة قرب حولا الحدودية عند ترسيم الخط الأزرق (كامل جابر)
مقترح يكرس واقعاً جديداً ويثير خشية من أطماع تل أبيب تزامناً مع تصعيد عسكري
ملخص
أثار مقترح إسرائيلي لإعادة تموضع قواتها ضمن شريط حدودي أضيق في جنوب لبنان شكوكاً في شأن تكريس احتلال دائم ومنع عودة النازحين. ويأتي الطرح وسط تصعيد إسرائيلي أوقع عشرات الضحايا، فيما يرى محللون أن شروطه تعجيزية وقد تمهد لمزيد من التوسع العسكري.
فجأة، وفي خضم الحرب الإسرائيلية غير المنقطعة على جنوب لبنان على رغم اتفاق وقف نار معلن منذ الـ19 من يونيو (حزيران) الماضي، خرج إلى الواجهة مقترح إسرائيلي يتناول إعادة انتشار قواتها جنوب نهر الليطاني وفي قسم من شمال النهر والتراجع عن احتلال عشرات القرى بعمق يبلغ نحو 10 كيلومترات بعد تدميرها في مربع أطلقت عليه إسرائيل تسمية "المنطقة الصفراء" أو "الخط الأصفر"، وإعادة التمركز في منطقة متاخمة للحدود بعمق يراوح بين كيلومترين اثنين وأربعة كيلومترات يحدها "الخط الرمادي" وفق التسمية الجديدة.
"الخط الرمادي" العسكري والأمني الإسرائيلي المقترح بحسب ما تداولته بعض وسائل إعلام تل أبيب وعبر هيئة البث الإسرائيلية منذ مطلع سبتمبر (أيلول) الجاري، قيل إنه يهدف إلى إعادة تموضع القوات التي تسيطر على منطقة واسعة في جنوب نهر الليطاني وبعض قرى وبلدات قضاء النبطية شمال النهر، ويشمل أكثر من 50 قرية أو بلدة، ضمن خط أمني أضيق مساحة وأقرب إلى الحدود.
خط يكرس السيطرة الدائمة
لم تنشر السلطات العسكرية والأمنية والإعلامية الإسرائيلية قائمة نهائية بأسماء القرى والبلدات اللبنانية التي سيشملها الخط الرمادي لو كان جدياً، ويعيد بعض المحللين السياسيين والأمنيين عدم إعلانها إلى كونها لم تتجاوز بعد نطاق التسريب الإعلامي وجس النبض ورد الفعل اللبناني والإسرائيلي على حد سواء، لكن إذا ما عدنا إلى المسافة المعلنة أو المقترحة فنجد أن هذا الخط سيضم إليه قرى ومناطق ما تعرف بالحافة الأمامية، وهي القرى القريبة من الشريط الحدودي الفاصل، التي دمرتها إسرائيل في المراحل الأولى من توغلها في جنوب لبنان عام 2024، وتنتشر من القطاع الغربي قرب الناقورة الساحلية في قضاء صور إلى القطاع الوسط في قضاء بنت جبيل وامتداداً نحو القطاع الشرقي في قضاء مرجعيون.
وإذا ما أحصينا هذه القرى فيتبين في القطاع الغربي قرى وبلدات: الناقورة والبياضة والضهيرة وعلما الشعب (في قضاء صور) وعيتا الشعب والقوزح ويارون وعيترون ومارون الراس في القطاع الوسط (ضمناً قرى رميش وعين إبل ودبل المسيحية التي لم تحتلها إسرائيل مباشرة وما زال سكانها فيها)، وبليدا وميس الجبل وحولا وعديسة وكفركلا والطيبة وصولاً إلى الخيام في القطاع الشرقي.
ويتضمن الخط الجديد بحسب التسريب الإعلامي الإسرائيلي إنشاء نحو 20 موقعاً عسكرياً ثابتاً على طول هذا الشريط الرمادي الضيق، مع إبقاء السيطرة بالنار والمراقبة الجوية على مناطق ستتراجع عنها القوات البرية المتوغلة. ومن شروط هذه الخطة المتداولة وقيل إنها أبلغت إلى الجانب اللبناني عبر وسطاء، أن تكون عودة النازحين إلى هذه القرى المتاخمة من أهلها وسكانها خاضعة لمسار المفاوضات السياسية المباشرة وألا تكون فورية أو مضمونة التطبيق في المدى القريب.
لكن الحرب دائرة
في وقت غرقت وسائل إعلام لبنانية بتحليل وتفنيد الخطة الإسرائيلية المقترحة لإعادة تموضع الجيش في جنوب لبنان وأبعادها وأهميتها، وإن كانت تصب في مصلحة المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل ضمن "اتفاق الإطار"، لا يبدو على الساحة الجنوبية التي تشهد تصعيداً عسكرياً إسرائيلياً لافتاً، ما يواكب أجواء هذا المقترح الجديد، خصوصاً بعد إعلان الجيش الإسرائيلي وقادة تل أبيب إحكام السيطرة على تلة علي الطاهر المشرفة على مدينة النبطية وعلى عدد كبير من قرى القضاء المتاخمة وصولاً إلى الساحل الجنوبي بين مدينتي صيدا وصور.
ولم تكتفِ إسرائيل منذ مطلع سبتمبر الجاري، وعشية بلوغ الحرب عامها الثالث، بقصف بعض القرى والبلدات في قضاءي النبطية وصور، على نحو ما تقوم به منذ إعلان وقف إطلاق النار وما تواصله من تدمير يومي في بلدات كفرتبنيت وأرنون والنبطية الفوقا ويحمر الشقيف وزوطر الشرقية، بل وسعت استهدافاتها وغاراتها إلى عمق مدينة النبطية وجارتيها كفررمان والكفور، وعربصاليم في منطقة إقليم التفاح (قضاء النبطية) والريحان في منطقة جزين وهدمت عدداً كبيراً من الأبنية فوق رؤوس قاطنيها، ما تسبب في سقوط عدد كبير من الضحايا، بينهم عائلة في كفررمان، حيث استهدفت غارة فجر أمس الإثنين مبنى تقطنه أسرة محمد نعيم فرحات فقتلته مع زوجته وابنيه وأحفاده الأطفال وبلغ عديد ضحاياها 12 فرداً، بينهم ستة أطفال وثلاث نساء.
هذا التصعيد الإسرائيلي اللافت والذي أودى بحياة نحو 28 شخصاً حتى كتابة هذه السطور، معظمهم من النساء والأطفال خلال الأيام الثلاثة الأخيرة، تسبب كذلك في حركة نزوح جديدة وكثيفة من النبطية وقراها نحو صيدا وشمال نهر الزهراني. مع العلم أن النبطية ومنطقتها كانت بدأت تتحضر لعام دراسي جديد مستفيدة من الهدنة المفترضة. ويلاحظ أن الاستهدافات من مسيرات لدراجات نارية وسيارات تقل أفراداً عادت وبكثافة في الأسبوعين الأخيرين بعدما كانت تراجعت كثيراً، وقد وسجل سقوط عدد من ركابها بعيداً من المنطقة "الصفراء" أو دائرة الصراع.
انسحاب أم احتلال جديد؟
لذا يستبعد عديد من المحللين السياسيين والإعلاميين اللبنانيين جدية المقترح الإسرائيلي في الوقت الراهن مرجحين مزيداً من التصعيد العسكري الذي يصب في مصلحة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الانتخابية، ومبدين هواجسهم من توسع إسرائيلي جديد ربما يصل إلى تخوم نهر الزهراني جنوب مدينة صيدا أو نهر الأولي شمال المدينة.
يعتبر العميد الركن المتقاعد في الجيش اللبناني بسام ياسين (رئيس وفد لبنان السابق لمفاوضات الحدود البحرية) أن "الخط الرمادي" المقترح "تسعى إسرائيل من خلاله إلى ذر الرماد في العيون، لأن الشروط التي تضعها لتنفيذ هذا الخط والانسحاب إلى مسافة ثلاثة أو أربعة كيلومترات بعيداً من الحدود هي شروط تعجيزية غير قابلة للتنفيذ، إذ تشترط بأن يكون هناك نزع كامل لسلاح حزب الله، وترتيبات أمنية ولوجستية صعبة، وعدم عودة السكان من دون اتفاق مشروط، ويبقى لها الحق في الانتشار والمراقبة في هذه المنطقة التي تسميها رمادية بعدما حولتها بفعل الاحتلال والتدمير إلى أرض محروقة، يعني كأن تقتطع جزءاً من هذا الجنوب لتحقيق أمنها وتبقى فيه إلى أن تقرر هي أن تنسحب أو ألا تنسحب على الإطلاق".
وأضاف العميد ياسين، "تدرك إسرائيل تماماً أن هذا الأمر لن يجري بهذه السهولة، إذ إنها بعد ثلاث سنوات من الحرب المتواصلة لم تستطع نزع سلاح حزب الله، لذا تحاول توريط جهات لبنانية في نزعه، أرادت ذلك من السلطة اللبنانية والجيش اللبناني، والجيش والسلطة ليس بمقدورهما أن يواجها حزب الله وأن ينتزعا سلاحه، والإسرائيليون أنفسهم يعلمون ذلك تماماً ويدركون صعوبة تحقيق مثل هذا الشرط، لذا يريدون توريط البلد في حرب أهلية أو نزاع داخلي لبناني – لبناني".
خطوط للتشويش
أشار العميد ياسين إلى أن "جميع الخطوط التي تستخدمها إسرائيل منذ احتلالها فلسطين عام 1948، من الأسود إلى الأخضر ثم الأزرق فالأصفر والرمادي أخيراً، وكأنها تحاول أن تعمي عيوننا من خلال ألوانها هذه عن كل ما تفعله من احتلال وقتل وتدمير، فتطل علينا كل مدة من الزمن بلون جديد الغاية الأساس منه هو الاحتلال ومزيد من قضم الأراضي وتهجير الناس".
ويرى العميد ياسين أنه "لا أمل في هذا الطرح الإسرائيلي، بخاصة أننا نرى اليوم التصعيد المستمر، تصعيد لم يتوقف منذ إعلان وقف إطلاق النار وبدأ أخيراً يطاول النبطية والنبطية الفوقا وكفررمان وعربصاليم شمال نهر الليطاني وحيز منطقة صور، وتحت حجج مختلفة لا يقرأ من خلالها غير نيات احتلالية وتوسعة المنطقة الأمنية الصفراء، ما يثبت أن الحرب لم تتوقف أصلاً ولم يعد هناك التزام باتفاق الإطار" الذي جرى توقيعه بين إسرائيل والدولة اللبنانية.
نسأله ماذا لو قبلت الحكومة اللبنانية باقتراح تطبيق الخط الرمادي؟ فيجيب "وهل بيد الحكومة اللبنانية أن تقبل أو أن ترفض؟"، ويردف "إسرائيل تصول وتجول وتطرح علينا كل مدة شكلاً جديداً من الاحتلال والتوسع والأفكار التي تناسب خططها ومشاريعها حتى وإن رضيت الدولة اللبنانية أو لم ترض، لذلك مثل هذا الطرح الإسرائيلي لا ينتظر منه موافقة السطات اللبنانية أو رفضها أو وضع شروط معينة".
ولم ينف العميد ياسين خشيته من "تطور العدوان، وأن نشهد في الأيام المقبلة توسعاً إسرائيلياً جديداً". وقال، "طبعاً كان هناك ثمة خط أحمر أميركي بإيقاف الحرب عند حد ما، وكان قرار أميركي يمنع تمدد الحرب وتوسعها أكثر مما كانت عليه، لكن يبدو أن هذا اللون يبهت اليوم، صار خافتاً وبرتقالياً وقد ينقلب ضوءاً أخضر فنشهد في الأيام المقبلة تمدداً إسرائيلياً باتجاه منطقة سجد وجبل الريحان (منطقة جزين) للسيطرة على هذه التلال العالية واستكمال الخط الاحتلالي الذي يشبه ذاك الذي كان سائداً قبل الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في مايو (أيار) عام 2000، بعدما كان قائماً منذ عام 1985".
"مسرحية تكرس الاحتلال"
يرى العميد الركن المتقاعد في الجيش اللبناني هشام جابر (رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والعلاقات العامة)، أنها "مسرحية. كنا بالخط الأزرق وصرنا بالخط الأصفر واليوم نسمع بالخط الرمادي. هؤلاء الجماعة (الإسرائيليون) يقومون بقضم الجنوب شيئاً فشيئاً". ويضيف "أعتقد أن إسرائيل تريد تشريع احتلالها لأرضنا جراء هذه الخطوط التي تعلن عنها أو تنفذها في جنوب لبنان، اليوم نسمع بالخط الرمادي، وغداً ربما نرجوهم ونقبل أياديهم بأن يعودوا إلى الخط الأصفر، وندعي بأننا حققنا إنجازاً عظيماً، هكذا حصل في فلسطين على مدى الصراع العربي الإسرائيلي، وأين فلسطين اليوم؟".
ويضيف العميد جابر، "من يقرأ التاريخ يعرف أن بنيامين نتنياهو لا شيء يردعه اليوم، إذ يريد أن يحقق مكاسب خلال الشهرين المقبلين، ومهما يكن، ومن أي مكان أو أي عدوان، فهو يحتاج إلى نقاط تساعده في الانتخابات، لذا هو يحتاج إلى تصعيد. وحزب الله هادئ ونائم ولا يخبرنا مذا سيفعل؟". ويتابع "بعضهم يقول لك إن إيران توفر طاقة الحزب إلى الوقت المناسب، بتنا كمن ينفخ في الرماد، وعَلامَ يراهنون؟ على خوف نتنياهو؟ من يردعه أو سيردعه؟ كفانا مراهنة على أميركا ورئيسها دونالد ترمب، إذ إنه قادم هو الآخر على انتخابات وليس مستعداً للضغط على نتنياهو ولن يضغط عليه".
ويوضح العميد جابر، "أنا حاصل على دكتوراه في التاريخ، ولم أَرَ بتاريخ لبنان أضعف أو أوهن من هذه السلطة القائمة حالياً، وفي المقابل نسأل: (حزب الله) إلى أين يأخذ بنا؟ أقولها إن (حزب الله) بارع في التكتيك على الأرض وبالقتال وهذا على مستوى المقاتلين لديه، لكن في التكتيك الاستراتيجي والسياسي يستحقون علامة صفر على 20. نحن لم نبدل رأينا، لكن دعونا نسأل: أعطونا جملة واحدة، أو موقفاً سياسياً أو استراتيجياً اتخذه (حزب الله) منذ 20 سنة كان صحيحاً، وما كان يملكه من معادلة الردع في سنة 2006، فقده في حرب إسناد غزة وكشف عن أسراره بما يطلق عليه عسكرياً استطلاع بالنار، فمن سيردع إسرائيل بخط أصفر أو رمادي أو أحمر أو غيره؟".
ويتساءل العميد جابر "قولوا لنا من سيردع نتنياهو وهو يحضر للانتخابات الإسرائيلية القادمة بكل ما استطاع من قوة، وبقوة النار في جنوب لبنان وفي غزة والضفة، فلربما يقدم غداً على ضرب بيروت وضرب الضاحية ومن سيسأله ماذا تفعل أو لماذا فعلت ذلك؟".
يعتقد العميد جابر أن "إسرائيل تنوي الوصول إلى نهر الأولي (شمال مدينة صيدا) وليس إلى نهر الزهراني فقط (جنوب مدينة صيدا)، اليوم في علي الطاهر، وغداً سجد والريحان، ومن ثم تهبط على إقليم التفاح كزدورة (نزهة)، وتصل إلى نهر الزهراني وبعدها إلى نهر الأولي ربما". ويؤكد العميد جابر "أنا لا أشتم أحداً، ولولا أن حزب الله لم يتدخل في حرب غزة لم يكن أمينه العام السيد حسن نصرالله ليسقط، ويحاولون على رغم هذه الأخطاء المميتة أن يقنعونا بأنهم فعلوا الصح، وأنهم لا يخطئون أو معصومون عن الخطأ".

جنود إسرائيليون يثبتون أسلاكاً شائكة قرب حولا الحدودية عند ترسيم الخط الأزرق (كامل جابر)

جندي لبناني يضع علامة حدودية خلال ترسيم الخط الأزرق (كامل جابر)

جنود إسرائيليون يثبتون أسلاكاً شائكة قرب حولا الحدودية عند ترسيم الخط الأزرق (كامل جابر)
الخيام | khiyam.com
تعليقات: