خليل كاعين: التجربة الشيوعية في القرن العشرين (الحلقة الثانية) من ماركس إلى لينين.. لماذا اندلعت الثورة في روسيا؟

الدكتور خليل كاعين
الدكتور خليل كاعين


إذا كانت الثورة الصناعية قد وفرت البيئة التي نشأ فيها الفكر الاشتراكي والشيوعي في أوروبا، فإن المفارقة التاريخية الكبرى هي أن أول ثورة تمكنت من الوصول إلى السلطة باسم هذا الفكر لم تحدث في بريطانيا، مهد الثورة الصناعية، ولا في ألمانيا التي امتلكت واحدة من أكبر الحركات العمالية في أوروبا، بل في روسيا القيصرية التي كانت لا تزال، في مطلع القرن العشرين، مجتمعا يغلب عليه الطابع الزراعي.

وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن فهم الثورة البلشفية من دونه:

لماذا أصبحت روسيا تحديدا الأرض التي انتقلت فيها الشيوعية من النظرية إلى محاولة بناء دولة ونظام جديد؟

إمبراطورية واسعة ومجتمع شديد التفاوت

كانت الإمبراطورية الروسية في مطلع القرن العشرين واحدة من أوسع دول العالم، تضم شعوبا وقوميات وأديانا متعددة، ويحكمها القيصر ضمن نظام أوتوقراطي شديد المركزية.

لم تكن روسيا قد بقيت خارج التطور الصناعي تماما. فقد شهدت مدن مثل سان بطرسبورغ وموسكو نموا صناعيا مهما، وظهرت مصانع كبيرة وطبقة عاملة آخذة في التوسع. لكن غالبية السكان ظلت من الفلاحين، وظلت آثار النظام الإقطاعي حاضرة رغم إلغاء القنانة (ارتباط الفلاح بالأرض وخضوعه لمالكها) سنة 1861، بقيت آثار النظام الإقطاعي حاضرة بقوة في الريف الروسي.

فقد أصبح الفلاح حرا من الناحية القانونية، لكنه لم يصبح بالضرورة مالكا قادرا على تأمين حياة كريمة. بقيت مشكلة الأرض والديون والفقر الريفي من أكثر القضايا إلحاحا في المجتمع الروسي.

وفي المقابل، كانت السلطة والثروة والأرض موزعة بصورة شديدة الاختلال بين البلاط والنبلاء وكبار الملاّك وبين أكثرية واسعة من السكان.

وهكذا جمعت روسيا تناقضين في الوقت نفسه: بقايا مجتمع زراعي قديم وولادة رأسمالية صناعية حديثة.

وهذا الخليط سيكون بالغ الأهمية في ما سيحدث لاحقا.

القيصر فوق المجتمع

لم تكن الأزمة اقتصادية واجتماعية فقط.

كان القيصر يتمتع بسلطات واسعة، ولم تعرف روسيا نظاما برلمانيا ديمقراطيا شبيها بما كان يتطور في أجزاء من أوروبا الغربية. وكانت المعارضة السياسية عرضة للملاحقة والسجن والنفي.

ومع ذلك، كان المجتمع الروسي يتغير بسرعة أكبر من قدرة النظام السياسي على التكيف معه.

نشأت طبقة متعلمة، وانتشرت الجامعات والأفكار الأوروبية، وظهرت حركات سياسية تطالب بالإصلاح أو الثورة، بينما كان النظام يحاول المحافظة على بنية حكم لم تعد تنسجم مع التحولات الجارية في المجتمع.

وهنا تظهر إحدى القواعد التي ستتكرر في التاريخ: حين يتغير المجتمع أسرع من مؤسساته السياسية، تتراكم الأزمات حتى يصبح الإصلاح المتأخر أكثر صعوبة.

الماركسية تصل إلى روسيا

في هذه البيئة بدأت أفكار ماركس تنتشر بين المثقفين والعمال والمنفيين السياسيين.

لكن تطبيق الماركسية على روسيا طرح مشكلة نظرية حقيقية.

فماركس كان قد بنى جانبا كبيرا من تحليله على المجتمعات الرأسمالية الصناعية المتقدمة، بينما كانت روسيا لا تزال في معظمها مجتمعا فلاحيا.

فهل كان عليها أن تمر أولا بمرحلة رأسمالية طويلة قبل أن

تصبح الثورة الاشتراكية ممكنة؟

أم يمكن اختصار الطريق؟

هذا السؤال سيصبح لاحقا أحد المفاتيح لفهم لينين.

لم يكن الثوريون الروس جميعا ماركسيين. فقد سبقت انتشار الماركسية في روسيا حركات ثورية وشعبوية رأت في الفلاحين القوة الأساسية القادرة على تغيير المجتمع، ولجأ بعض تياراتها إلى العمل السري والعنف السياسي والاغتيالات.

وكانت منظمة «الإرادة الشعبية» أبرز هذه الحركات، وهي التي اغتالت القيصر ألكسندر الثاني سنة 1881.

وفي هذا المناخ الثوري وقعت حادثة سيكون لها أثر شخصي عميق في حياة لينين. ففي عام 1887 أُعدم شقيقه الأكبر ألكسندر أوليانوف، وكان في الحادية والعشرين من عمره، بعد مشاركته في مجموعة ثورية خططت لاغتيال القيصر ألكسندر الثالث. وكانت هذه المجموعة متأثرة بتقاليد «الإرادة الشعبية» والعمل الثوري السري.

كان لينين آنذاك في السابعة عشرة، وكان إعدام شقيقه صدمة كبيرة له ولعائلته. لكن اختزال مسيرته اللاحقة في الرغبة بالثأر سيكون تبسيطًا للتاريخ. فقد اتجه لينين تدريجيا نحو الماركسية، وابتعد عن فكرة أن اغتيال القيصر أو أحد رموز السلطة يمكن، بحد ذاته، أن يغير النظام. وأصبح يرى أن المسألة تتطلب تغيير بنية السلطة نفسها، من خلال حركة سياسية منظمة وقادرة على قيادة الصراع.

وهكذا التقى الشقيقان في رفض النظام القيصري، لكنهما لم يسلكا الطريق نفسه: ألكسندر جاء من تقاليد الثورة الروسية السابقة للماركسية والعمل الثوري المباشر، بينما وجد لينين لاحقا في الماركسية والتنظيم الحزبي طريقا مختلفا لإحداث التغيير.

ومع تطور الصناعة بدأت الطبقة العاملة تحتل موقعا متزايدا في الحركة الثورية، وأخذ الفكر الماركسي يجد له أرضًثا أوسع.

البلاشفة والمناشفة

تأسس حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي في أواخر القرن التاسع عشر، لكنه لم يبق موحدا.

في مؤتمره عام 1903 ظهر الانقسام الذي سيصبح تاريخيا بين

البلاشفة والمناشفة.

ارتبط البلاشفة بلينين، بينما برز بين المناشفة عدد من القادة والمفكرين الآخرين.

لم يكن الخلاف مجرد نزاع شخصي على القيادة. كان هناك اختلاف حول طبيعة الحزب وطريق الثورة وتحالفاتها.

رأى لينين ضرورة وجود حزب ثوري منظم، يتمتع بدرجة عالية من الانضباط، تقوده كوادر ملتزمة وقادرة على العمل في ظروف القمع.

أما المناشفة فكانوا أكثر ميلا إلى تصور حزب أوسع وإلى الاعتقاد بأن روسيا ينبغي أن تمر بمرحلة برجوازية وديمقراطية قبل الانتقال إلى الثورة الاشتراكية.

وسيظهر لاحقا أن تصور لينين للحزب لم يكن تفصيلا تنظيميا، بل كان من أهم أسباب قدرة البلاشفة على التحرك بسرعة عندما بدأت مؤسسات الدولة بالانهيار.

لماذا لينين؟

لم يخترع لينين الشيوعية، ولم يكن أول ماركسي روسي، لكنه أدخل تعديلات أساسية على طريقة التفكير في الثورة.

كان يدرك أن الطبقة العاملة الروسية، رغم نموها، لا تمثل غالبية السكان، وأن انتظار التطور التاريخي وحده قد يعني انتظارا طويلا،

لذلك أعطى الحزب دورا مركزيا باعتباره القوة المنظمة القادرة على تحويل الاحتجاج الاجتماعي إلى مشروع سياسي يسعى إلى السلطة.

ومن هنا بدأ يظهر اختلاف مهم بين الماركسية بوصفها تحليلا لمسار تاريخي وبين اللينينية بوصفها أيضا نظرية في التنظيم والاستيلاء على السلطة وإدارة الثورة.

لكن لينين لم يكن في تلك المرحلة قائد روسيا المنتظر. كان واحدا من عدة معارضين للنظام، وعاش سنوات طويلة في المنفى، وكانت السلطة القيصرية تبدو، رغم أزماتها، قادرة على الاستمرار.

ثم جاءت سنة 1905.

ثورة 1905... الإنذار الذي لم يفهمه النظام

لم تبدأ الثورة الروسية سنة 1917 من الصفر.

كانت أحداث 1905 بمثابة بروفة كبرى لما سيأتي لاحقا.

دخلت روسيا حربا مع اليابان سنة 1904، وكانت القيادة القيصرية تتوقع أن تحقق انتصارا يعزز مكانة النظام. لكن الحرب انتهت بهزيمة روسية قاسية كشفت ضعف الإدارة والجيش وأثارت غضبا واسعا.

وفي كانون الثاني/يناير 1905 توجه آلاف العمال في سان بطرسبورغ إلى القصر الشتوي لتقديم مطالب تتعلق بالأجور وظروف العمل والإصلاح السياسي.

لم يكن هؤلاء في البداية ذاهبين لإسقاط القيصر.

لكن إطلاق النار على المتظاهرين في ما عرف بـ«الأحد الدامي» غيّر الكثير.

انتشرت الإضرابات والاحتجاجات والتمردات، وبدأت تظهر مجالس عمالية عرفت باسم السوفييتات، وهي المجالس التي ستلعب دورا أكثر أهمية سنة 1917.

اضطر القيصر نيقولا الثاني إلى تقديم تنازلات، وأصدر بيان أكتوبر الذي وعد ببعض الحريات وإنشاء مجلس تشريعي هو «الدوما».

للحظة، بدا أن روسيا ربما تسير نحو ملكية دستورية أكثر انفتاحا،

لكن الإصلاح بقي محدودا، وظلت السلطة الفعلية للقيصر واسعة، وتعرضت الحركة الثورية مجددا للقمع.

نجا النظام من ثورة 1905، لكنه لم يعالج الأسباب العميقة التي أنتجتها.

وهذه كانت ربما واحدة من أكبر أخطائه.

الإصلاح الذي جاء متأخرا

حاول رئيس الوزراء بيوتر ستوليبين إجراء إصلاحات زراعية تهدف إلى إنشاء طبقة من الفلاحين المالكين للأرض وإعطاء الريف قدرا أكبر من الاستقرار.

حققت الإصلاحات بعض النتائج، لكنها لم تكن كافية لحل مشكلة الأرض والتفاوت الاجتماعي، ولم تحصل على الوقت الكافي لتغيير بنية المجتمع الروسي بصورة عميقة.

اغتيل ستوليبين سنة 1911، وبقي النظام بين إصلاح محدود من جهة ومحاولة المحافظة على الحكم المطلق من جهة أخرى.

وفي الوقت نفسه استمر التصنيع.

ازدادت أعداد العمال، واتسعت المدن، وتزايدت الإضرابات والنشاط السياسي.

وبدأت روسيا تدخل القرن العشرين بجسد اقتصادي يتغير بسرعة، لكن برأس سياسي ما زال متعلقا بنظام القرن السابق.

الفلاحون... القوة التي لا يمكن تجاهلها

كانت إحدى المشكلات التي واجهت الماركسيين الروس أن الثورة لا يمكن أن تنجح بالعمال وحدهم في بلد يشكل الفلاحون غالبية سكانه.

كانت الأرض بالنسبة إلى الفلاح الروسي قضية حياة، لا نقاشا فلسفيا حول الاشتراكية والرأسمالية.

وهنا سيظهر لاحقا جانب من براعة لينين السياسية.

فقد أدرك أن الثورة التي تريد السلطة في روسيا تحتاج إلى الجمع بين مطالب العامل في المدينة ومطالب الفلاح في الريف، ثم سيضاف إليهما مطلب ثالث أكثر قوة بعد اندلاع الحرب: السلام بالنسبة إلى الجندي.

وهكذا ستتجمع لاحقا ثلاثة مطالب شديدة البساطة والقوة:

الخبز، الأرض، والسلام.

ولم تكن هذه شعارات نظرية بقدر ما كانت تعبيرا مباشرا عن حاجات ملايين البشر.

روسيا لم تكن معزولة عن العالم

لا يمكن أيضا فهم ما حدث باعتباره أزمة روسية داخلية فقط.

كانت أوروبا كلها تعيش سباقا محموما بين القوى الكبرى: ألمانيا الصاعدة، بريطانيا وفرنسا، الإمبراطورية النمساوية-المجرية، الدولة العثمانية وروسيا القيصرية.

تنافست الدول على الأسواق والمستعمرات والنفوذ والممرات البحرية، وتصاعد سباق التسلح وتشكلت التحالفات العسكرية.

كانت القومية تتصاعد، ولا سيما في البلقان، فيما أصبحت أوروبا أشبه بمخزن بارود يحتاج إلى شرارة.

وفي روسيا نفسها كان بعض دوائر الحكم يرى في السياسة الخارجية وتعزيز مكانة الإمبراطورية وسيلة لدعم هيبة النظام في الداخل.

لكن تجربة الحرب مع اليابان كان ينبغي أن تكون تحذيرا.

فالدولة التي تعاني تناقضات داخلية كبيرة قد تستطيع احتواءها في زمن السلم، لكن الحرب تضع مؤسساتها واقتصادها وجيشها أمام اختبار لا يرحم.

على أبواب الحرب الكبرى

عندما اغتيل ولي عهد النمسا-المجر الأرشيدوق فرانتس فرديناند في سراييفو في 28 حزيران/يونيو 1914، ربما لم يكن أحد يتصور تماما أن الرصاصات التي أطلقت هناك ستساهم، بعد سنوات قليلة، في إسقاط واحدة من أقدم الإمبراطوريات الأوروبية وإيصال البلاشفة إلى السلطة في روسيا.

دخلت التحالفات بعضها وراء بعض في الحرب.

ودخلت روسيا دفاعا عن مصالحها وتحالفاتها وموقعها في البلقان.

في البداية، كما يحدث في كثير من الحروب، غطت المشاعر الوطنية على الخلافات الداخلية.

لكن الجبهة ستتحول تدريجيا إلى محرقة للجنود، وستظهر أوجه ضعف الإدارة والاقتصاد والنقل والإمداد، بينما ستعاني المدن نقص الغذاء وارتفاع الأسعار.

وسيذهب ملايين الفلاحين الذين يشكلون العمود الفقري للريف إلى الجبهة وهم يرتدون زي الجيش.

وهنا ستلتقي أزمات روسيا كلها في مكان واحد:

العامل الغاضب في المدينة، والفلاح الذي يريد الأرض، والجندي الذي يريد العودة إلى بيته، والمعارضة التي تريد تغيير النظام، وسلطة قيصرية تفقد تدريجيا قدرتها على إدارة الدولة والحرب معا.

لم يكن سقوط القيصرية سنة 1917 نتيجة حتمية مكتوبة مسبقا، كما لم يكن انتصار البلاشفة نتيجة طبيعية لكل ما سبق.

لكن روسيا دخلت الحرب العالمية الأولى وهي تحمل في داخلها معظم عناصر الأزمة.

والحرب لم تخلق هذه التناقضات.

لقد فجرتها.

وهذا هو موضوع الحلقة المقبلة.

يتبع....

الحلقة الثالثة: الحرب العالمية الأولى... حين هزّت الحرب إمبراطوريات أوروبا وفتحت الطريق أمام الثورة الروسية

6 أيلول 2026

تعليقات: