
الأستاذ فايز أبو عباس: هل بقي من هذه الذات ما يستحق أن يُنقذ، أم أن الانتحار ومغادرة الحياة باتا أهون من البحث عنها؟
خرجتُ اليوم إلى السوق الذي يقام في بلدتنا، في مثل هذا اليوم من كل أسبوع... سوق الخميس.
خرجتُ أفتّش عن ذاتي الضائعة، في هذه الضائقة التي أوصلنا إليها حكّامنا والمسؤولون عن مصيرنا؛ أولئك الذين منحناهم ثقتنا، فخانوا الأمانة، وباعونا، وتركونا اليوم نفتّش عن ذواتنا بين السراب والخيال والأحلام.
سألتُ تاجر الخضار عن هذه الذات، لعلّه صادفها أو لاحظ لها أثرًا بين أوراق خسّة، أو ثمرة، أو حتى حبّة خيار أو مقثى.
أنكر معرفته بها، رغم أنني لمحتُ بقايا خيالٍ مطبوعٍ ومرسوم، يشعّ من بين بعض الأوراق، ويتجوّل بين الثمار، ثم يلامس بعض الخضار الأخرى.
تابعتُ سيري إلى بائع الحبوب... لعلّه لاحظ طيفًا يتجوّل بينها، يشمّ رائحة العدس والحمص والفول، المسجون في أكياس مختلفة الأحجام والأشكال.
أو لعلّه لمح شبحًا يجول برفقة نملة، تسرق بعضًا من دقيق السكر، أو تتسلّق حبّة أرز.
أجابني ضاحكًا: «لاحظتُ منذ الصباح شبحًا يمرّ فارغ الفاه، يلهث من تعب المسير، هاربًا من شياطين الإنس، يفتّش عن مأوى ومسكن، وعن بعض الكرامة والغذاء... وهم يلاحقونه إلى كل باب للقضاء عليه».
أكملتُ طريقي بين بقية الباعة، لعلّي أعثر على تلك الذات التي فقدتُ أثرها، أو فُقد أثرها مني.
مررتُ على بائع الألبسة والأحذية القديمة، وعلى بقية الباعة. كان الجميع صامتين؛ الحركة قليلة، والساحة شبه خالية، إلا من بعض الغرباء الذين جاؤوا يستعرضون ما أُلقي على الأرصفة وحواف الطرق، وبعض الطاولات العجوز التي أنهكها الزمن وأثقلها كِبَر السن.
إلى أن لاحظتُ شخصًا يراقبني ويتابع خطواتي... بحسرة وتعب، وبعتبٍ ممزوج بالغضب والألم.
كان بريق الدموع يشعّ من بين رموش عينيه، وينساب على خدّيه، كأنّه يكويهما ويترك عليهما وشمًا لا يُمحى، متغلبًا على آثار الشمس التي حفرت ملامحها على وجهه.
كان يسأل بعض التجار عن قليل من ماء الحياء.
وحين عرفني، وعرف غايتي، وعرف عمّا أفتّش... عن ذاتي الضائعة، المفقودة، أو المسلوبة...
أدار ظهره ومضى، يتمتم بكلمات شبه مسموعة... لكنها كانت مفهومة.
كان هناك شبحٌ آخر قد انتبه إلى وجودي، ففرّ هاربًا، خوفًا من أن أكتشف الذات التي ضاعت، أو أكتشف حقيقة ضياعها... وربما خوفًا من أن أصل إلى السؤال الأخير: هل بقي من هذه الذات ما يستحق أن يُنقذ، أم أن الانتحار ومغادرة الحياة باتا أهون من البحث عنها؟
الأستاذ فايز أبو عباس
الخيام | khiyam.com
تعليقات: