
الدكتور خليل كاعين
حين هزّت الحرب إمبراطوريات أوروبا وفتحت الطريق أمام الثورة الروسية
انتهت الحلقة السابقة عند روسيا وهي تدخل الحرب العالمية الأولى محمّلة بتناقضات اجتماعية وسياسية واقتصادية عميقة.
لم تكن الحرب هي التي صنعت أزمة الإمبراطورية الروسية، لكنها سرّعت انفجارها إلى حد لم يعد النظام القيصري قادرًا على احتوائه.
وفي غضون أقل من ثلاث سنوات، انتقلت روسيا من إمبراطورية يحكمها القيصر نيقولا الثاني منذ أكثر من عقدين، إلى دولة بلا قيصر، ثم إلى ثورة أوصلت البلاشفة بقيادة لينين إلى السلطة.
كيف حدث ذلك؟
وكيف استطاع رجل قضى سنوات طويلة بين السجن والنفي والمنفى الأوروبي أن يعود في ربيع 1917 ويصبح، خلال أشهر قليلة، الشخصية الأكثر تأثيرًا في المسار الذي انتهى بثورة أكتوبر؟
الحرب التي أنهكت الإمبراطورية
دخلت روسيا الحرب العالمية الأولى سنة 1914 إلى جانب فرنسا وبريطانيا في مواجهة ألمانيا والنمسا-المجر وحلفائهما.
وفي البداية اجتاحت البلاد، كما حدث في دول أوروبية أخرى، موجة من الحماس الوطني.
لكنها لم تستمر طويلًا.
فقد دخلت الإمبراطورية الروسية حربًا حديثة واسعة النطاق بجيش ضخم، لكن باقتصاد وبنية نقل وإدارة لم تكن قادرة دائمًا على تلبية حاجات ملايين الجنود والجبهات الممتدة.
تكبّد الجيش الروسي خسائر بشرية هائلة، وظهرت مشكلات في التسليح والذخيرة والتموين، وتراجعت الثقة بالقيادة العسكرية والسياسية.
ولم تبقَ آثار الحرب على الجبهة.
ففي المدن ارتفعت الأسعار، واضطربت حركة النقل، وظهرت أزمات في المواد الغذائية والوقود، بينما كان ملايين الرجال قد غادروا الريف إلى الجيش، ما أثّر في الإنتاج الزراعي وفي الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
وهكذا أخذت الحرب تجمع القوى الساخطة في مكان واحد:
العامل الذي يعاني الغلاء ونقص الغذاء، والفلاح الذي يريد الأرض، والجندي الذي يريد إنهاء الحرب والعودة إلى أسرته.
أما النظام القيصري، فكان يفقد بالتدريج ما تبقى له من الثقة.
لينين في المنفى... الثورة تُدار أيضًا من خارج روسيا
عندما اندلعت الحرب كان لينين خارج روسيا.
وكان المنفى بالنسبة إليه قد أصبح جزءًا من حياته السياسية. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر تعرض للاعتقال والنفي، ثم أمضى سنوات طويلة متنقلًا بين عدد من المدن الأوروبية، يعيش حياة سياسية وفكرية مرتبطة بالمنفيين الروس والحركة الاشتراكية الأوروبية.
لم يكن منفاه انقطاعًا عن العمل السياسي.
كان يكتب ويناقش وينظم ويتابع أوضاع روسيا، ويساهم في الصحافة الحزبية وفي الصراعات الفكرية والتنظيمية داخل الحركة الاشتراكية الروسية.
ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى ظهر خلاف بالغ الأهمية بينه وبين قسم واسع من الأحزاب الاشتراكية الأوروبية.
فكثير من تلك الأحزاب أيّد حكومات بلدانه في الحرب أو وافق على الاعتمادات العسكرية، بينما اعتبر لينين أن الحرب ليست حربًا للدفاع عن الشعوب بقدر ما هي صراع بين الإمبراطوريات والقوى الكبرى على النفوذ والأسواق والمصالح.
ومن هنا اتخذ موقفًا شديد الجذرية: دعا القوى الاشتراكية إلى رفض الحرب والعمل على تحويل الأزمة التي أنتجتها إلى صراع ضد الأنظمة القائمة.
شارك في مؤتمرات للتيارات الاشتراكية المناهضة للحرب، ومنها مؤتمر زيمرفالد في سويسرا سنة 1915، وظل يدافع عن موقف كان يبدو، في سنوات الحرب الأولى، بعيدًا عن إمكانية التطبيق.
لكن الحرب كانت تغيّر المجتمعات الأوروبية بسرعة.
وكانت روسيا أكثر هذه المجتمعات هشاشة.
لينين والحرب والإمبريالية
لم يكن موقف لينين من الحرب مجرد موقف سياسي آني.
خلال سنوات الحرب عمل أيضًا على تطوير تفسيره لطبيعة الرأسمالية العالمية، وكتب مؤلفه المعروف «الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية».
رأى فيه أن تطور الرأسمالية أدى إلى تركّز متزايد لرأس المال، ونشوء الاحتكارات، وتنامي رأس المال المالي، أي التداخل المتزايد بين رأس المال المصرفي ورأس المال الصناعي، وأن القوى الكبرى أصبحت تتنافس على الأسواق والموارد ومناطق النفوذ في العالم.
وبالتالي رأى أن الحروب بين الدول الكبرى ليست منفصلة عن الصراع الاقتصادي العالمي.
هذا التحليل سيصبح لاحقًا جزءًا أساسيًا من الفكر اللينيني ومن الخطاب السياسي للاتحاد السوفياتي والحركات الشيوعية في العالم.
لكن بينما كان لينين يكتب ويناقش في المنفى، كانت الأحداث داخل روسيا تتقدم أسرع مما توقعه كثيرون.
من سقوط القيصر إلى مرحلة انتقالية مضطربة
كما رأينا في الحلقة السابقة، انتهت الضغوط التي فاقمتها الحرب بسقوط الحكم القيصري في ثورة فبراير/شباط 1917.
لكن سقوط القيصر لم ينقل السلطة إلى البلاشفة.
تشكلت حكومة مؤقتة، وإلى جانبها برزت السوفييتات، أي مجالس العمال والجنود، كقوة سياسية واجتماعية مؤثرة.
وهكذا دخلت روسيا مرحلة انتقالية مضطربة.
واستمرت الحكومة الجديدة في الحرب، بينما بقيت قضايا الأرض والغذاء والأزمة الاقتصادية من دون حلول حاسمة.
وفي هذه اللحظة تحديدًا عاد لينين من المنفى.
عودة لينين
عندما سقط القيصر كان لينين لا يزال في سويسرا.
وفجأة أصبح السؤال الذي يشغله: كيف يعود إلى روسيا؟
كانت أوروبا في حالة حرب، وكانت الطرق العادية للعودة شبه مغلقة.
وفي نهاية المطاف تمكن لينين وعدد من رفاقه من عبور الأراضي الألمانية في رحلة بالقطار جرت وفق ترتيبات
خاصة، ثم تابع طريقه عبر السويد وفنلندا حتى وصل إلى بتروغراد في نيسان/أبريل 1917.
وقد تحولت هذه الرحلة لاحقًا إلى موضوع واسع للجدل السياسي والتاريخي، خصوصًا لأن ألمانيا كانت في حالة حرب مع روسيا وكانت ترى مصلحة لها في عودة شخص يدعو إلى إنهاء مشاركة روسيا في الحرب.
لكن عودة لينين لم تكن هي التي صنعت الأزمة الروسية.
الأزمة كانت موجودة قبله.
وما فعله بعد وصوله هو أنه قرأ هذه الأزمة بطريقة مختلفة عن معظم خصومه وحتى عن بعض رفاقه.
أطروحات أبريل... لا دعم للحكومة المؤقتة
عندما عاد لينين إلى روسيا لم يقبل فكرة أن الثورة قد انتهت بإسقاط القيصر.
كان جزء من الحركة الاشتراكية يرى أن روسيا دخلت الآن مرحلة ديمقراطية ينبغي الحفاظ عليها وتطويرها قبل التفكير في ثورة اشتراكية.
لكن لينين رفض الوقوف عند هذه المرحلة.
في ما عُرف بـ**«أطروحات أبريل»** دعا إلى عدم منح الدعم للحكومة المؤقتة، وإلى إنهاء الحرب، ونقل السلطة إلى السوفييتات، وإجراء تغيير جذري في ملكية الأرض والاقتصاد.
وفي البداية بدت مواقفه شديدة الراديكالية حتى لبعض البلاشفة.
وهنا برز خلاف أعمق من مجرد الصراع على السلطة.
فوفق القراءة الماركسية التقليدية، كان الانتقال إلى الاشتراكية مرتبطًا بمجتمع تطورت فيه الصناعة وقوى الإنتاج واتسعت فيه الطبقة العاملة إلى درجة كبيرة. لكن روسيا سنة 1917 بقيت بلدًا يغلب عليه الطابع الزراعي، ويشكّل الفلاحون الغالبية الساحقة من سكانه، فيما كانت طبقته العاملة الصناعية محدودة نسبيًا، واقتصاده منهكًا بالحرب والتأخر.
ومن هنا ظهر سؤال سيلازم التجربة السوفياتية منذ بدايتها:
هل تستطيع الثورة السياسية أن تسبق النضج الاقتصادي والاجتماعي الضروري لبناء الاشتراكية؟
وهل يمكن لحزب ثوري أن يختصر مراحل التطور التاريخي بإرادته وتنظيمه، أم أن التناقض بين سرعة التغيير السياسي وبطء تحول المجتمع والاقتصاد سيخلق مشكلات جديدة؟
لم يكن هذا خلافًا بين الماركسيين وخصوم الماركسية فقط، بل كان خلافًا داخل الحركة الماركسية الروسية نفسها.
لقد أخذ لينين عمليًا الماركسية إلى أرض لم يكن ماركس يتوقع أن تبدأ منها الثورة الاشتراكية: بلد متأخر صناعيًا، أنهكته الحرب، وتشكّل الفلاحون معظم سكانه.
وهذه المفارقة ستصبح لاحقًا واحدة من المفاتيح الأساسية لفهم تطور الدولة السوفياتية.
لكن في سنة 1917 لم تكن هذه الأسئلة النظرية هي التي تحرّك الشارع.
كانت قوة لينين تظهر في قدرته على التقاط المزاج الذي كان يتوسع داخل المجتمع الروسي.
كانت شعاراته تقترب بصورة مباشرة من مطالب الناس:
السلام للجنود.
الأرض للفلاحين.
الخبز للعمال والمدن.
والسلطة للسوفييتات.
لم تعد المسألة نقاشًا فكريًا بين ماركسيين حول المراحل التاريخية التي ينبغي أن تمر بها روسيا.
أصبحت منافسة سياسية على من يستطيع تقديم إجابات لأزمة يعيشها ملايين البشر يوميًا.
من أقلية إلى قوة صاعدة
عند عودة لينين لم يكن البلاشفة يسيطرون على روسيا، ولم يكونوا حتى القوة الوحيدة أو الأكبر داخل السوفييتات.
كانت هناك أحزاب وتيارات اشتراكية أخرى تتمتع بنفوذ واسع، ومن بينها المناشفة والاشتراكيون الثوريون.
لكن الأشهر التي تلت سقوط القيصر عملت لمصلحة البلاشفة.
فالحكومة المؤقتة لم تستطع إخراج روسيا من الحرب.
والأزمة الاقتصادية استمرت.
ومشكلة الأرض لم تُحل.
وانضباط الجيش بدأ يتفكك.
وفي الصيف وقعت اضطرابات عُرفت بـ**«أيام يوليو»**، تعرض بعدها البلاشفة للملاحقة واضطر لينين إلى الاختباء والانتقال إلى فنلندا.
وللحظة بدا وكأن الحركة البلشفية قد تلقت ضربة قد تنهي صعودها.
لكن الأزمة السياسية لم تنته.
محاولة كورنيلوف... والخوف من عودة الثورة المضادة
في آب/أغسطس 1917 دخلت روسيا أزمة جديدة عندما تحرك القائد العسكري الجنرال لافر كورنيلوف باتجاه العاصمة في ظروف أثارت مخاوف واسعة من احتمال قيام سلطة عسكرية أو انقلاب يعيد فرض النظام بالقوة.
احتاجت الحكومة المؤقتة إلى القوى الموجودة في السوفييتات للدفاع عن العاصمة.
وشارك البلاشفة في تنظيم المقاومة والتعبئة.
فشلت محاولة كورنيلوف، لكنها أضعفت الحكومة المؤقتة أكثر.
وفي المقابل ازداد نفوذ البلاشفة.
وخلال أسابيع حصلوا على أغلبية في سوفييتي بتروغراد وموسكو.
وهنا بدأ لينين، من مخبئه، يدفع الحزب بصورة متزايدة إلى اتخاذ القرار الذي كان يتردد فيه بعض قادته:
الاستيلاء على السلطة.
هل كانت ثورة أكتوبر حتمية؟
لا.
وهي نقطة مهمة لفهم التاريخ.
حتى في خريف 1917 لم يكن انتصار البلاشفة نتيجة مضمونة.
كانت هناك قوى سياسية أخرى، وكان يمكن للأحداث أن تسلك مسارات مختلفة.
كما أن قيادة الحزب البلشفي نفسها لم تكن موحدة تمامًا حول توقيت الانتفاضة.
لكن لينين كان مقتنعًا بأن اللحظة التاريخية قد وصلت، وأن التردد يمكن أن يؤدي إلى ضياع الفرصة.
عاد سرًا إلى بتروغراد وضغط باتجاه التحرك.
وفي الوقت نفسه لعب ليون تروتسكي دورًا أساسيًا في تنظيم القوة العسكرية والسياسية داخل سوفييت بتروغراد ومن خلال اللجنة العسكرية الثورية.
وهنا نصل إلى النقطة التي أصبح فيها التنظيم الذي تحدث عنه لينين طوال سنوات أكثر من مجرد فكرة نظرية.
فالحزب المنظم، الذي يمتلك قيادة وشبكات وكوادر وقدرة على اتخاذ القرار، أصبح قادرًا على التحرك في لحظة انهيار مؤسسات الدولة.
ثورة أكتوبر
في ليلة 24 إلى 25 تشرين الأول/أكتوبر 1917 وفق التقويم الروسي القديم، الموافق 6 إلى 7 تشرين الثاني/نوفمبر حسب التقويم الغريغوري، تحركت القوات التابعة للجنة العسكرية الثورية وسيطرت على عدد من المواقع الرئيسية في بتروغراد:
الجسور.
محطات السكك الحديدية.
مراكز الاتصالات.
وعدد من مؤسسات الدولة.
ثم سقط القصر الشتوي، مقر الحكومة المؤقتة، واعتُقل عدد من وزرائها.
لم تكن الصورة في الواقع شبيهة دائمًا بالمشاهد الملحمية التي قدمتها بعض الأعمال الفنية والدعاية السوفياتية لاحقًا.
فالاستيلاء على المواقع الأساسية في العاصمة تم في جزء كبير منه بسرعة وفي ظل ضعف شديد للحكومة المؤقتة.
لكن أهمية ما حدث لم تكن في حجم المواجهات داخل بتروغراد فقط.
كانت في نتائجه.
للمرة الأولى يصل إلى السلطة حزب ماركسي يعلن أنه يريد بناء دولة جديدة على أسس اشتراكية.
وهكذا انتقلت الشيوعية من النظرية والتنظيم والمعارضة إلى تجربة الحكم.
لينين... من المنفى إلى قيادة الدولة
خلال أشهر قليلة تغير موقع لينين بصورة يصعب تصورها.
في بداية 1917 كان منفيًا في سويسرا، بعيدًا عن روسيا، وقائدًا لفصيل سياسي لا يملك السلطة.
وفي نهاية السنة أصبح رئيسًا للحكومة الجديدة، مجلس مفوضي الشعب.
لكن تفسير ذلك بمجرد «عبقرية فردية» سيكون تبسيطًا، تمامًا كما أن تجاهل دوره سيكون تشويهًا للتاريخ.
لم يصنع لينين الحرب العالمية الأولى.
ولم يصنع انهيار الاقتصاد الروسي.
ولم يكن هو الذي أسقط القيصر في ثورة فبراير.
ولم يكن البلاشفة وحدهم وراء الاحتجاجات العمالية وتمرد الجنود ومطالب الفلاحين.
لكن ما ميّزه كان قدرته على قراءة اللحظة السياسية، وإعادة صياغة الاستراتيجية بسرعة، والدفع بحزبه نحو هدف واضح عندما كانت القوى الأخرى مترددة أو منقسمة.
لقد التقت في سنة 1917 ثلاثة عناصر:
أزمة دولة عميقة، وحركة اجتماعية واسعة، وحزب منظم يمتلك قيادة مصممة على الوصول إلى السلطة.
وكان لينين في مركز العنصر الثالث.
الثورة انتصرت... لكن الامتحان الأصعب بدأ
كان الاستيلاء على السلطة أسهل بكثير من بناء النظام الجديد.
روسيا ما زالت في الحرب.
الاقتصاد ينهار.
الفلاحون يستولون على الأراضي.
الدولة القديمة تتفكك.
الأحزاب السياسية الأخرى لم تختف.
والقوى المناهضة للبلاشفة بدأت تستعد للمواجهة.
لكن هناك سؤالًا أعمق أصبح الآن مطروحًا للمرة الأولى بصورة عملية:
هل تستطيع سلطة ثورية أن تبني نظامًا اشتراكيًا في بلد لم تبلغ قواه الاقتصادية والاجتماعية بعد المستوى الذي افترضته النظرية الماركسية؟
وكيف تحكم الثورة؟
هل تبقى السلطة موزعة بين السوفييتات والقوى الاجتماعية المختلفة؟
أم تنتقل تدريجيًا إلى الحزب الذي قاد الثورة؟
وكيف ستتعامل السلطة الجديدة مع المعارضة والحريات والملكية والاقتصاد والحرب؟
هنا تبدأ المرحلة التي ستحدد طبيعة التجربة السوفياتية لعقود لاحقة.
فالثورة التي وصلت إلى السلطة باسم تحرير الإنسان من الاستغلال ستجد نفسها خلال وقت قصير أمام حرب أهلية،
وعنف واسع، ومركزية سياسية متزايدة.
وسيبدأ معها واحد من أكثر التحولات إثارة للجدل في تاريخ القرن العشرين:
كيف تحولت الثورة البلشفية إلى دولة؟
يتبع...
الحلقة الرابعة: من الثورة إلى الدولة... الحرب الأهلية وبدايات النظام السوفياتي
الدكتور خليل كاعين
11 أيلول 2026
الخيام | khiyam.com
تعليقات: