قرى الجنوب تحت الأنقاض.. تفجيرات متواصلة وأسئلة برسم الدولة

علي علوش
علي علوش


أمام بلدته المدمّرة، يقف أبو علي أيوب، يرتشف كوب قهوته ويتناول بضع حبات من الحلوى. مع كل رشفة، يتأمّل منزله وحياته التي دمّرتها قوات الاحتلال. بعد الهدنة، كان كل ما يملك لا يزال على حاله: منزله، محلّه، ومنازل أولاده. اليوم، باتت ركامًا.

يصف أبو علي هذا الواقع بـ«الجرح القاسي»: «إنك تقف أمام منزلك، ثم يهوي أمامك، شعور لا يوصف».

منذ وقف إطلاق النار، تتعرّض بلدات يحمر، أرنون، زوطر الشرقية والنبطية الفوقا لتفجيرات متواصلة، حوّلت معها القرى إلى ركام متناثر فوق أطلالها. حين انتهت الحرب، كانت نسبة الدمار في تلك القرى لا تتجاوز الـ30 في المئة، أما اليوم فتخطّت الـ90 في المئة، وربما أكثر، وفق ما يقول رئيس بلدية كفرتبنيت الدكتور محمد فقيه، الذي يحاول «رفع صوت تلك القرى المجروحة»، ويدعو الدولة إلى إعادة النظر في اتفاق الإطار، متسائلًا: «ما هو هذا الاتفاق؟ هل هو اتفاق لتدمير القرى أم للتهجير؟ لأننا منذ الإعلان عنه ونحن نعيش التدمير المتواصل».

يسعى فقيه إلى إبقاء صوت كفرتبنيت وجاراتها من قرى مجرى الليطاني عاليًا. هذه القرى التي كانت، قبل عام، تضجّ بالمهرجانات والاحتفالات التي تروي سيرة الضيعة والتراث والسياحة، غيّرت الحرب تفاصيلها. ويشير فقيه إلى أنّ «التفجيرات قلبت القرى رأسًا على عقب. الاحتلال الإسرائيلي لم يدمّر القرى فحسب، بل دمّر ثقافة وحياة وتاريخًا، لكنه لم يدمّر إرادة الناس».

تتوالى التفجيرات على تلك القرى، ويرتجف قلب الناس مع كل واحدة منها. تحوّلت القرى المطلة على بلداتها إلى أرصفة للحسرة، وفق ما يقولون: «نقف، نراقب، نتألّم، نبكي، ثم نمشي».

هذا ما تقوله سهام، ابنة بلدة كفرتبنيت، التي تقف يوميًا أمام بلدتها في بلدة شوكين: «رأيت منزلي يتطاير من قوّة التفجير الذي طال حيّنا، طار معه قلبي وحياتي».

في التحرك الثاني الذي أُقيم في ساحة سراي النبطية «نصرةً لقرى الجنوب»، لم تحمل يسرى، ابنة بلدة يحمر، صورة منزلها، بل حملت علمًا لبنانيًا، وجاءت لتقول: «نريد حضور الدولة بأجهزتها، أن يحضر الجيش وينطلق أمامنا نحو يحمر، وأن نشعر بأن الدولة تحمي أهلها، لا أن تتركنا بلا أي سند، وتدفع باتفاق لم يؤتِ علينا إلا الدمار وويلات التفجيرات التي قتلت أرواحنا».

ما أراد الأهالي إيصاله في هذا التحرك هو تأكيد رفضهم «الوصاية الأجنبية»، وتمسّكهم بعزيمة أبناء الجنوب، وأنهم باقون في هذه الأرض التي يسعى المحتل إلى الاستيلاء عليها. والأهم، بالنسبة إليهم، انتشار الجيش اللبناني في قراهم ليتمكّنوا من العودة إليها.

بالطبع، جاء التحرك اعتراضًا على اتفاق الإطار الذي «طيّر أحلام أهالي تلك القرى»، وفق ما قالت الدكتورة رقية فقيه، التي تؤكد «رفضها لاتفاق أُبرم للقتل والتدمير والتهجير».

وتدعو فقيه الدولة «إن كان لديها ولا يزال لديها ذرّة من الكرامة، إلى إعطاء إيعاز للجيش اللبناني للانطلاق نحو كفرتبنيت وجاراتها، وأن تكون هذه الخطوة قبل عودة المدارس وإعادة الإعمار، لنعود إلى قرانا، ولتقف الدولة لمرة واحدة وقفة عز بقرب الناس».

رسائل بالجملة حملها التحرك، رُفعت خلاله الأعلام اللبنانية وصور القرى، إلى جانب كثير من المطالب التي أراد المنظّمون والأهالي إيصالها. ولم يقتصر الحضور على أبناء قرى النبطية، بل شارك أيضًا أبناء ميس الجبل، ومن بينهم أم محمد عيسى، التي رفعت شعار «لا حياة للجنوب دون ميس الجبل».

جاءت لتقول: «نحن لسنا قرى الشريط الحدودي، نحن أبناء قرى دُمّرت ومُسحت، ونريد العودة إليها. الاحتلال دمّر الحجر، لكنه لم يدمّر إرادتنا ولا حتى عزيمتنا».

وخلف دمعة حزينة وكثير من القلق، تقول الحاجة الستينية: «بقيت في ميس الجبل طيلة 15 شهرًا، وحين خرجنا، خرج الجيش قبلنا وليس بعدنا. نحن اليوم نريد أن نرى الدولة حاضرة قربنا، معنا. نريدها بالفعل لا بالشعارات. لمرة نريد أن نشعر بهذا الأمر. ومن قال إننا ضدّها؟ فلتتحرّك ونحن خلفها، لكنها لم تفعل، فكيف سنثق بها؟».

في كل زاوية من الاعتصام، حضرت قصة بلدة وقرية، وكثير من الغصّة. وحضر سؤال واحد: هل أفاد اتفاق الإطار وجولات الوزراء المنطقة، أم بقيت زيارات شكلية؟

ولعلّ ما قاله رئيس بلدية كفرتبنيت الدكتور محمد فقيه يلخّص جانبًا من هذه الهواجس: «رأينا وزراء يحضرون إلى النبطية، وأغدقوا الكثير من الوعود، لكنها لم تُترجم على الأرض. اليوم نقولها: لن نستقبل أي وزير سيحضر من دون مشروع فعلي للمنطقة. الزيارات للصورة لن نقبل بها بعد الآن».

الأهالي هنا جاؤوا لرفع صوتهم. وكان لافتًا حضور عائلة مجزرة أنصار، وأهاليها أيضًا، في التحرك. أما فاطمة، فأرادت إيصال رسالة واضحة: «لن نقبل أن تتكرّر مجزرة أنصار ومجزرة كفررمان. عائلات قتلها الاحتلال الإسرائيلي، ولم نسمع كلمة إدانة واحدة. لم تدفع الدولة إلى إعادة النظر في اتفاقها».

وتخشى فاطمة «تكرار هذه المجازر تحت مسمّى القضاء على بنية عسكرية». وتتساءل: «هل باتت العائلات بنية عسكرية؟ مجزرة ناصر الدين، جاؤوا ليأخذوا إجازة، فقتلهم العدو. هل هذه حياة؟ المؤسف هو الصمت».

وهو ما ركّز عليه وزير العمل السابق مصطفى بيرم، الذي قال إنّ «صوت القرى يجب أن يبقى عاليًا، وأن يسمع العالم صوت ما يحصل في الجنوب».

ولفت إلى أنّ الشعب يلاحظ أنّ الدولة لا تدافع عنه، بل أبرمت اتفاقاتها ورفضت وقف إطلاق النار الإقليمي الذي أُقرّ لحمايته ووقف القصف والقتل.

وأشار إلى أنّ الدولة والسلطة رفضتا هذا الاتفاق، معتبرًا أنّ ما جرى إجراء غريب، إذ أُبرمت مذكرة تفاهم إقليمية فرضت وقفًا لإطلاق النار لمدة خمسة أيام، قبل أن يُعمل باتفاق الإطار.

وأوضح أنّ اتفاق الإطار أبقى إسرائيل، وفق تعبيره، ومنحها غطاءً، ما أدّى إلى تصاعد القتل والتجريف والحرق والتدمير.

وتساءل: «هيك الدولة بتحمي حالها؟ بتحمي ناسها؟».

وأكد أنّ الناس لن تنتظر أكثر، قائلًا: «نحنا أصحاب الحق، نحنا أصحاب الأرض، نحنا أهل الوطن».

اعتصام لتوجيه رسائل واضحة إلى الدولة: انظروا في الاتفاق وأبعاده، وأعيدوا النظر فيه لتعود الثقة. رسائل ستتكرّر مع كل تحرّك سيحصل.