
الدكتورة ليندا غدّار: القراءة هي فعل معرفة وانتماء وحماية للهوية ومقاومة للنسيان، فالكتاب يحفظ ما قد يعجز الحجر عن حفظه. وإذا كان تدمير المكان محاولة لقطع الإنسان عن جذوره، فإنّ القراءة والكتابة والتوثيق تعيد وصل ما يُراد قطعه
آتي إليكم اليوم من لبنان، حيث لم تعد “الذاكرة” مفهوماً فكرياً نتداوله في الندوات، ولا مادة محفوظة بين دفتَي كتاب، بل غدَت جرحاً ملموساً ونزفاً حياً نرى آثاره أمام أعيننا كلّ يوم. ومن قلب هذه اللحظة الراهنة والقاسية، يفرض سؤال جوهري نفسه: ماذا تعني الذاكرة الثقافية لشعب يرى المكان الذي يحمل تاريخه وهويته يُهدم ويُجرف ويُمح؟
الذاكرة ليست ماضياً المكان يسكن الإنسان
حين نتحدث عن “الذاكرة الثقافية”، قد ينصرف الذهن مباشرة إلى الكتاب والمكتبة والمخطوطة والأرشيف. لكن الذاكرة أكبر وأوسع من ذلك بكثير، إنها اللغة التي نتكلّمها، والأغنية التي ورثناها، والحكاية التي رواها لنا الأجداد. إنها البيت القديم، واسم القرية، وشجرة الزيتون، والمدرسة، والساحة، والمقبرة. إنها المسجد والكنيسة، والعادات والمواسم والأمثال والقصائد والصور والرسائل. فالإنسان لا يسكن المكان فقط، بل المكان يسكن الإنسان أيضاً. والذاكرة الثقافية ليست مجرد حنين رومانسي إلى الماضي، بل هي الركيزة التي تساعدنا على الإجابة عن أسئلة تمسّ جوهر وجودنا: من نحن؟ من أين أتينا؟ وماذا نريد أن ننقل إلى الأجيال القادمة؟
عندما يصبح المكان مستهدفاً
لا يمكن لأيّ قراءة واقعية للذاكرة الثقافية اليوم أن تتغافل عما يجري في جنوب لبنان، فنحن أمام نحو ستين قرية وبلدة جنوبية تعرّضت لأشكال واسعة من الهدم والتجريف والتدمير. والقضية هنا ليست أرقاماً وأبنية صمّاء، بل قرى يعود تاريخ بعضها إلى مئات السنين، وبيوت توارثتها العائلات، ومدارس تعلّمت فيها أجيال، ومقابر تحفظ أسماء الأجداد، وأشجار زيتون وحقول وطرقات ودور عبادة شكّلت مجتمعةً ذاكرة المكان. وهنا يحضر السؤال الأشدّ إيلاماً وأهمية: ماذا يبقى من القرية عندما يُهدم حجرها؟ إنّ هدم البيت لا يمحو جدراناً فقط، فالبيت الذي عاش فيه الجدّ والأب والابن هو جزء أصيل من الذاكرة العائلية. وهدم المدرسة لا يعني إزالة مبنى فحسب، بل هو اعتداء على ذاكرة أجيال من التلامذة. كما أنّ اقتلاع شجرة زيتون معمّرة ليس خسارة زراعية مجردة، بل اقتلاع لشاهد حي على علاقة الإنسان بأرضه. أما المساس بالمقابر، فهو اعتداء مباشر على المكان الذي يحفظ أصول العائلات وامتدادها. وهناك فرق شاسع بين أن تهدم حجراً، وأن تحاول تجريد شعب كامل من ذاكرة المكان.
القرية كتاب مفتوح
يمكننا النظر إلى القرية باعتبارها كتاباً مفتوحاً، البيت فيه صفحة، والشارع صفحة، والمدرسة صفحة، والمسجد والكنيسة صفحتان متجاورتان في ذاكرة المجتمع. وكذلك شجرة الزيتون، والمقبرة، وأسماء العائلات، والحكايات، والأغاني، واللهجة المحلية. وعندما تُهدم القرية، فكأنما تُنتزع صفحات هذا الكتاب واحدة تلو الأخرى. وهنا نصل إلى جوهر أهمية القراءة: فإذا كان في الإمكان تمزيق صفحات المكان المادية، فعلينا أن نحفظ صفحات الذاكرة المعنوية. وإذا هُدم البيت، فعلينا أن نحفظ حكايته، وإذا تغيّرت معالم القرية، فيجب ألا يختفي اسمها من ذاكرة أبنائها.
القراءة مقاومة للنسيان
لم تعد القراءة مجرد وسيلة لاكتساب المعرفة والتثقيف، بل أصبحت، في لحظتنا التاريخية هذه، شكلاً من أشكال مقاومة النسيان. نقرأ تاريخ مدننا وقرانا، ومذكرات أهلنا، والأدب الذي وصف أرضنا، والصحف القديمة والوثائق والمخطوطات. ونكتب أيضاً، لأنّ القراءة والكتابة وجهان لعملية واحدة: حماية الذاكرة من الفناء. فالطفل الذي قد لا يستطيع غداً أن يرى بيت جده، يجب أن يستطيع أن يقرأ عنه. والجيل الذي تتغيّر أمامه معالم المكان، يجب أن يجد وثيقة وصورة وكتاباً وشهادة تقول له: هنا كان بيت، وهنا كانت مدرسة، وهنا كان مسجد، وهنا كانت كنيسة، وهنا عاش أناس أحبوا وفرحوا وحزنوا وبنوا حياتهم. هذه الأرض لم تكن يوماً فراغاً.
الصراع على الرواية
إنّ الصراعات الكبرى لا تدور حول جغرافيا الأرض وحدها، بل تدور بضراوة أيضاً حول “الرواية”: من يكتب التاريخ؟ من يسمّي المكان؟ من يحتفظ بالوثيقة؟ ومن يروي للأجيال ماذا حدث؟ لقد علّمتنا فلسطين خطورة هذا السؤال، فالقرية التي يبقى اسمها محفوظاً في كتاب أو وثيقة وفي ذاكرة أبنائها وأحفادها، تستمرّ في الوجود الثقافي حتى لو تغيّرت معالمها المادية. لذلك، فإنّ حفظ الذاكرة ليس عملاً عاطفياً، بل مسؤولية تاريخية ووطنية. ومن لا يقرأ تاريخه ولا يكتب ذاكرته بنفسه، سيأتي حتماً من يكتب تاريخه عنه ويزيّفه. وهذه المسؤولية لا تقع على الكاتب والمؤرّخ والصحافي والمؤسسات التعليمية وحدها، بل هي أمانة في أعناق العائلات أيضاً. علينا تسجيل شهادات كبار السن، وحفظ الصور القديمة، وتوثيق أسماء البيوت والأحياء والحقول، وصون الحكايات والرسائل. فالتاريخ الحقيقي ليس تاريخ الحكام والحروب فحسب، بل هو أيضاً قصة امرأة خبزت لأولادها في بيت لم يعد موجوداً، وفلاح زرع أرضه طوال خمسين عاماً، وطفل سار كلّ صباح إلى مدرسة اختفت معالمها. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الذاكرة الكبيرة للشعوب.
القراءة في العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي
وإذا كان تدمير المكان يهدّد الذاكرة المادية، فإنّ العصر الرقمي يضع الذاكرة المعنوية أمام تحديات من نوع آخر. فنحن نعيش اليوم في عصر تتوافر فيه المعلومات بكثرة، لكن الذاكرة الإنسانية مهدّدة بالتشتّت، نقرأ العنوان ولا نقرأ المقال، ونشاهد مقطعاً قصيراً ونعتقد أننا أحطنا بالقضية، ثم تأتي الخوارزميات لتقرّر ما نراه وما يختفي عنّا. فمن سيحفظ ذاكرتنا في العصر الرقمي؟ هل نتركها للمنصات والخوارزميات ومحركات البحث، أم نحافظ على حقنا الأصيل في كتابة ذاكرتنا وقراءتها وتفسيرها؟ وفي عصر الذكاء الاصطناعي، تزداد القراءة أهمية ولا تقل، فالآلة تستطيع تقديم البيانات والمعلومات، لكنها لا تعوّض الإنسان عن الفهم والتحليل والتمييز بين الحقيقة والرواية، وبين الوثيقة والدعاية. وكلما ازدادت قدرة الآلة على تقديم الإجابات، ازدادت حاجتنا إلى إنسان واعٍ يعرف كيف يطرح السؤال الصحيح.
الذاكرة العربية ذاكرة تعددية
ومن موقع الاهتمام بالحوار الإسلامي ـ المسيحي، يجدر التذكير بأنّ ذاكرتنا العربية لم يصنعها دين واحد أو طائفة واحدة، بل هي ذاكرة حضارية مشتركة. ففي القرية والمدينة العربيتين عاش المسلم والمسيحي معاً، وكتب الشاعر والمؤرخ والفقيه واللاهوتي والأديب. إنّ حماية الذاكرة تعني أيضاً حماية ذاكرة هذا التعدد. فعندما نحمي كنيسة قديمة، فإنّ المسلم يحمي جزءاً من ذاكرته الوطنية، وعندما نحمي مسجداً تاريخياً، فإنّ المسيحي يحمي جزءاً من ذاكرته الوطنية أيضاً. فالوطن الحقيقي يقوم على الاعتراف بأنّ ذاكرة “الآخر”جزء لا يتجزأ من ذاكرتي أنا. أخيراً: بالعودة إلى جنوب لبنان، وإلى القرى التي نشاهد هدمها وتجريفها: قد يُهدم البيت، وقد تُجرف الطريق، وقد تُقتلع الشجرة، وقد تتغيّر ملامح الساحة، لكن هناك شيئاً واحداً يجب ألا نسمح به أبداً: أن تُمحى الحكاية. علينا أن نكتب أسماء هذه القرى، ونحفظ صورها، ونوثق تاريخها، ونسجل أصوات أهلها، ونكتب عن مدارسها وبيوتها ومساجدها وكنائسها ومقابرها وحقولها، وأن نجعل أبناءنا يقرأون ذلك كله. فإعادة بناء الحجر ممكنة، مهما كانت صعبة ومكلفة، أما إعادة بناء ذاكرة أمة بعد ضياعها فأصعب بكثير. إنّ القراءة ليست ترفاً ثقافياً، بل هي فعل معرفة وانتماء وحماية للهوية ومقاومة للنسيان، فالكتاب يحفظ ما قد يعجز الحجر عن حفظه. وإذا كان تدمير المكان محاولة لقطع الإنسان عن جذوره، فإنّ القراءة والكتابة والتوثيق تعيد وصل ما يُراد قطعه. ومن هنا نعيد تعريف القراءة: نحن لا نقرأ فقط لكي نعرف العالم، بل نقرأ أيضاً لكي لا يفقد العالم ذاكرتنا…
الخيام | khiyam.com