عدنان سمور: السيد حسن نصر الله ووعي الأمة بذاتها وقدراتها


المقدمة:

(وعي الذات الجماعية مدخلاً للتحرر وصناعة الحياة الحرة والكريمة)

إن وعي الإنسان بذاته ، يعتبر ميزة اساسية مكنته من ان يكون الكائن الأرقى بعد الله في هذا الوجود ، كما مكنته من فهم العالم وحل الغازه وسبر اغواره ، لذلك يُشكّل الوعي بالذات الإنسانية العتبة الأساسية لبناء الشخصية المستقلة والفاعلة؛ غير أن ارقى مراتب هذا الوعي وأكثرها تأثيراً في مسار التاريخ تتجلى عندما ترتقي الجماعة من مجرد الوجود العددي إلى "وعي ذاتها الجماعية". لأن هذا الوعي يمنح الأمّة القدرة على استدراك مركزيتها الحضارية، والتمسك الصلب بقيمها وهويتها ومعتقداتها، كمازيمكنها من استلهام تجاربها التاريخية وتجارب الشعوب الحرة التي قاومت الاستلاب والتبعية قبلها . لا شك انه بغير هذا الوعي الفردي والجمعي، تبقى الشعوب رهينة الهيمنة والاحتلال ومسخ الشخصية الوطنية؛ بينما يغدو الوعي بالذات الركيزة الأولى لبناء أحلام الخلاص وتجسيد الرؤى النهضوية في واقع ملموس يكسر أوهام العجز والهزيمة.

البيئة التأسيسية والروافد الفكرية والجهادية

نشأ السيد حسن نصر الله في بيئة لبنانية مثقلة بالحرمان ومظالم التهميش الاجتماعي، وسط أتون الحرب الأهلية التي مزقت الكيان اللبناني وعمقت جراحه. في هذه الظروف الاستثنائية، تشكل وعيه المباشر وتغذى من روافد فكرية وجهادية متعددة أثرت تجربته الإنسانية في مرحلة مبكرة منها :

* مشروع السيد موسى الصدر:

صاحب الحراك النهضوي الذي أعاد للمستضعفين ثقتهم بكرامتهم ودورهم الوطني.

* فكر السيد محمد باقر الصدر:

الذي مثل الأصالة الفكرية والانفتاح المعرفي الذي قدم الإسلام كمشروع حضاري شامل.

* مرجعية السيد محمد حسين فضل الله: الرؤية الحركية والتجديدية في مواجهة التحديات المعاصرة ، والمدافع عن الكرامة الانسانية .

* مدرسة الشيخ راغب حرب:

صاحب الموقف الميداني الصارم ، والمتميز بالشجاعة الاستثنائية في رفض الاحتلال الصهيوني الذي يخاف من مواجهته الجميع .

* تأثر السيد الشهيد حسن نصرالله:

بمدرسة وفكر الإمام الخميني ، الذي فجر اعظم ثورة اسلامية وانسانية في العصر الحديث ، وبنى الجمهورية الاسلامية التي بات تمثل اليوم امل المستضعفين واحرار العالم .

* التتلمذ المباشر والتكامل الجهادي مع السيد عباس الموسوي

* الذي كان استاذه وملهمه وقدوته وثقته .

* الفضاء التحرري العربي:

الاستفادة من الإرث التحرري لجمال عبد الناصر وتجربة المقاومة الفلسطينية، مما جعل الصراع العربي-الإسرائيلي هو الموجه الأساسي لصياغة تجربته الفذة في المقاومة .

"بناء التجربة التنظيمية وتأسيس "مجتمع المقاومة"

تدرج السيد حسن نصر الله في المسؤوليات التنظيمية والقيادية متسلحاً بفهم دقيق لأسباب ضعف الأمة وتفككها. لم يكتفِ بتشخيص الأزمات ، بل وضع برنامجا عملياً يُحدد الأولويات بدقة ، وكان يُتقن نسج التحالفات الوطنية والإقليمية.

أثمر هذا المسار الذي سلكه السيد حسن (رض) ، بناء نموذج صلب ومتماسك ، يرتكز على تحويل وعي اللبنانيين بذواتهم وإمكاناتهم إلى مشروع نهضوي شامل عبر "مجتمع المقاومة"؛ وهو مجتمع مقتنع بجدوى المواجهة مع العدو الذي يمثل السبب الرئيسي لتخلف الأمة وضعفها وعجزها ، ومجتمع مقتنع بالتضحية ومراكمة الإنجازات ، وبمرور الزمن تحولت هذه التجربة من حراك محلي ناجح وواعد على مستوى لبنان ، إلى حالة ملهمة للشعب الفلسطيني ولشعوب المنطقة، ولتشكل بذلك اللبنة الأساسية لاحقاً في تأسيس "محور المقاومة".

ثمرات وعي الأمّة بذاتها ، التي اسست للتغييرات الاستراتيجية الحاصلة

أسس السيد حسن نصر الله ورعى مراحل نضوج وعي الأمة بذاتها، مما نتج عنه لاحقاً تحولات جذرية وعميقة على مختلف الصعد مثل :

1. إسقاط مقولة "قوة لبنان في ضعفه":

حيث تحول لبنان بفعل المقاومة من كيان هش إلى رقم صعب وقوة إقليمية تمكنت من تحقيق أول انتصار عسكري حاسم أدى لإرغام الكيان الصهيوني على الانسحاب من لبنان عام 2000 بالقوة ، مروراً بكسر هيبة الجيش الذي لا يقهر في حرب تموز 2006 التي كانت اعجازية بكل المقاييس ، حيث ظهر في هذه الحرب ان الصراع ليس مع الكيان الصهيوني بل هو مع اميركا وغربها الجماعي الطامحين لبناء شرق اوسط جديد تهيمن عليه اسرائيل ، ورغم ذلك انتصرت المقاومة في حرب تموز وفشل مشروع الشرق الاوسط الجديد .

2. التحول الشيعي الداخلي:

الانتقال من التشرذم والنزاعات إلى تحالف شيعي صلب يشكل عقبة كأداء أمام مشاريع الإخضاع والهيمنة الخارجية.

3. إلهام حركات التحرر:

تقديم نموذج "مجتمع المقاومة" الذي اقتبست الفصائل والحركات من شعوب المنطقة أفكاره وخططه الميدانية ومشاريعه سواءً في فلسطين، أو سوريا، أو العراق، أو اليمن ، وهكذا بدأ تشكل محور المقاومة .

4. الانفتاح والشراكة الوطنية:

تجسيد الشراكة الحقيقية عبر التحالف مع التيار الوطني الحر ورموز القوى الوطنية والسيادية (كالعماد إميل لحود، والدكتور سليم الحص، والوزير سليمان فرنجية وغيرهم)، مما قدم نموذجاً جديداً للتعايش والشراكة الوطنية القابلة للتكرار والاستمرار.

5. إرباك المشروع الأمريكي-الصهيوني:

من خلال استنزاف القدرات الإسرائيلية لعقود الأمر مكن الجمهورية الإسلامية في إيران من استغلال هذه الفترة ، وبناء قدرات ذاتية ومناعة استراتيجية عالية ، مكنتها اليوم من المواجهة المباشرة لكبح الهجوم الاميركي الغادر عليها وعلى المنطقة والعالم ، مما وضع الإدارة الأمريكية في اعمق مآزقها الاستراتيجية التي واجهتها في تاريخها الحديث ، وذلك بشهادة معظم المحللين الاميركيين الاستراتيجيين الكبار .

6. تقديم الإسلام كنظام حياة:

اهم إنجاز حضاري قدمه وعي الامة بذاتها وبقدراتها كان إثبات صلاحية الفكر الإسلامي ومبانيه واصوله ليكون إطاراً عملياً ناجحاً لإدارة المجتمع، وتحقيق الخلاص من أعتى المشروعات الاستعمارية التي عرفتها البشرية واشدها اجراماً وتوحشاً .

7- افشال العديد من المؤامرات والأفخاخ :

التي نصبتها اميركا والصهاينة والغرب الجماعي لإلهاء المقاومة وتشتيت اهتماماتها عن مشروع تحرير المنطقة ودعم القضية الفلسطينية العادلة والمحقة ، من خلال اثارة الفتن الداخلية وافتعال الازمات المعيشية والمالية والاقتصادية والأمنية .

خلاصة:

تجسد الذكرى الثانية لرحيل الشهيد السيد حسن نصرالله محطة لتأمل الدور الريادي والتأسيسي الذي اضطلع به هذا القائد الاستثنائي والفذ ؛ فمن خلال تلقفه الواعي لفكر الإمامين الخميني والخامنئي الذين لعبا دوراً تأسيسياً متكاملاً في صناعة الوعي الجماعي في الجمهورية الاسلامية حيث تقف اميركا بجبروتها عاجزة في مواجهته الصلبة والمحكمة اليوم ، كما ان السيد الشهيد كان مبدعاً في تشخيصه الدقيق لواقع لبنان والمنطقة والأمراض التي تعاني منها شعوبها ، لذلك لم يكن السيد الشهيد حسن نصرالله مجرد قائد سياسي أو ميداني، بل كان مهندس لوعي الأمة بذاتها، وملهماً لقادتها وشعوبها في صياغة مستقبل أكثر عدلاً وكرامة وإنسانية ، لذلك فإن شهادته تحمل عمقاً انسانياً يجعله في مصاف الكبار المجددين على مستوى العالم ، فسلام عليك ايها العزيز والكبير يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حيا ، وستظل بإذن الله ترتقي في عليائك بسبب الخيرات التي ستجنيها امتك بفضل وعيها بذاتها وبقدراتها الذي كنت من كبار المؤسسين له ، وسيبقى هذا الوعي يا سيد حسن ، هو الصخرة التي ستتكسر عليها مشاريع الاستعمار والهيمنة التي تقودها اميركا وغربها الجماعي والكيان الصهيوني الغاصب لفلسطين .

ع.إ.س

باحث عن الحقيقة

28/09/2026