«كيف الحال يا وطني؟» لــ هبة خريس، حين ينطق الوطن بوجعه وتبقى الخيام في القلب

هكذا كانت الحدائق التي ذُبلت.. وهُدمت البيوت، لكن الخيام ستبقى حيّةً فينا ما دام أبناؤها يحملون في قلوبهم ما تحمله هدى صادق وهبة خريس وأحلام زلزلة وغيرهن، وما دام الحنين إلى الخيام أقوى من الغياب
هكذا كانت الحدائق التي ذُبلت.. وهُدمت البيوت، لكن الخيام ستبقى حيّةً فينا ما دام أبناؤها يحملون في قلوبهم ما تحمله هدى صادق وهبة خريس وأحلام زلزلة وغيرهن، وما دام الحنين إلى الخيام أقوى من الغياب


في قصيدتها الوجدانية «كيف الحال يا وطني؟»، تأخذنا الشاعرة هبة عزّات خريس في رحلة مؤثرة بين وجع الوطن وحنين الذاكرة، حيث تمتزج مرارة الفقد بعمق الانتماء، ويتحوّل الحزن على الخيام إلى حوار إنساني حميم بين الوطن وأبنائه.

تكمن إحدى أجمل اللمسات الشعرية في أن الشاعرة تمنح الوطن صوتاً بشرياً، فيتحوّل من أرض وبيوت وحجارة إلى أبٍ متعب يبوح لابنه بآلامه. وتأتي عبارة «ولدي، إنّي مرهقُ!» لتفتح أمام القارئ باباً واسعاً من المشاعر، وكأن الوطن لم يعد قادراً على إخفاء تعبه، فاختار أبناءه ليودعهم شكواه.

وتتجلّى الصور الشعرية الموحية في قولها:

«ضاع نبضي في مرافئ لهفةٍ،

كيف بدون النبض قلب يخفق؟»

فالوطن هنا ليس مجرد مساحة جغرافية، بل قلب نابض بالحياة والذكريات، يخشى أن يفقد نبضه مع تشتّت أبنائه وغياب الأمان عن ربوعه.

وتزداد القصيدة تأثيراً حين تستحضر الشاعرة الخيام في صورة العروس التي أنهكتها المآسي:

«هذي العروس، ما الذي حلّ بها؟

صارت حجارها بعد عزّها تُسحقُ»

إنها صورة تجمع بين جمال الماضي وقسوة الحاضر، وتختصر التحوّل المؤلم الذي أصاب البلدة، بعدما كانت بيوتها وحدائقها وشوارعها عامرة بالحياة.

لكنّ القصيدة، رغم مسحة الحزن التي تغلّف أبياتها، لا تستسلم لليأس. ففي مناداتها للخيام:

«خيامُ، أنتِ الأصلُ، أنتِ شراعُنا،

أنتِ الصلاةُ، أنتِ السلامُ يُعشقُ»

يرتقي التعبير من الحنين إلى الاعتزاز والانتماء، وتصبح الخيام رمزاً للجذور والهوية والطمأنينة، ومكاناً تتعلّق به القلوب مهما باعدت بينها المسافات.

أما الذروة العاطفية في القصيدة فتأتي في خاتمتها:

«ما كنتُ أخشى أن أموتَ وحيدةً،

بل كنتُ أخشى عنّي أن تتفرّقوا... يا ولدي».

في هذين السطرين تختصر الشاعرة رسالة إنسانية بالغة العمق: فالوطن لا يخشى الخراب بقدر ما يخشى تفرّق أبنائه، ولا يؤلمه تهدّم الحجارة بقدر ما يؤلمه انقطاع الروابط التي تجمع أهله. إنها خاتمة مؤثرة تمنح القصيدة بُعداً يتجاوز الرثاء إلى الدعوة للتماسك والحفاظ على وحدة المجتمع وذاكرته.

وتكتسب القصيدة صدقاً إضافياً حين نعلم أن الصور المرافقة لها مأخوذة من حديقة منزل الشاعرة في الخيام، ذلك المنزل الذي يحمل لها الكثير من الذكريات والمعاني. فهنا لا تكتب هبة خريس عن مكان بعيد، بل عن بيت تعرف تفاصيله، وحديقة تحمل شيئاً من روحها، وبلدة تسكن وجدانها.

لقد نجحت الشاعرة هبة خريس في تقديم نص وجداني صادق، غني بالصور والاستعارات، يحوّل وجع الخيام إلى صوت شعري يحمل الحنين والحب والخوف على المصير، ويذكّرنا بأن الأوطان لا تعيش بحجارتها وحدها، بل بأهلها وذكرياتهم وروابط المحبة التي تجمعهم.

تحية للشاعرة هبة خريس على هذه الكلمات النابعة من القلب، وعلى وفائها لبلدتها الخيام، التي تبقى، رغم الجراح، عروساً في عيون أبنائها، وموطناً للذاكرة والمحبة والأمل بالعودة.

هُدمت البيوت، وذُبلت الحدائق، لكن الخيام ستبقى حيّةً فينا ما دام أبناؤها يحملون في قلوبهم ما تحمله هيفاء نصّار وهدى صادق وهبة خريس وأحلام زلزلة وغيرهن، وما دام الحنين إلى الخيام أقوى من الغياب.

المهندس أسعد رشيدي (كاتب وناشط اجتماعي وبيئي)

قصيدة هبة خريس: كيفَ الحالُ يا وطني؟