
المربي الأستاذ فايز أبو عباس
من حكايات الجدّ عن العهد العثماني والمجاعة والحروب، إلى كرم «بيت أبو كراديش» وأصل المثل الشعبي «الطريق على الحورة»... يستعيد الأستاذ فايز أبو عباس صفحات من تاريخ الخيام الاجتماعي، يوم كانت البلدة ملاذاً للمحتاجين والعابرين، وكانت قصص الأجداد تحفظ ذاكرة المكان وتنقل إلى الأحفاد قيم الشهامة والكرم والشجاعة والتكافل.
«حدّثني جدّي»... حين كانت الحكايات تحفظ تاريخ الخيام
في الماضي، كان جدّي يجلس مسترخياً، فنلتفّ حوله لنستمع إلى حكاياته عن الأزمنة التي عاشها، وعن أحداث سمعها من آبائه وأجداده، وعن رجال ونساء تركوا بصماتهم في تاريخ بلدتنا الخيام.
وكان يستهلّ بعض أحاديثه قائلاً:
«في الماضي، في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، كانت بلاد الشام، التي تضمّ اليوم سوريا ولبنان وفلسطين والأردن، تخضع للحكم العثماني».
ثم يأخذنا في رحلة عبر الزمن، يروي خلالها أخبار الولاة والحكّام، وحركة القوافل التجارية، والحروب والمجاعات، وما شهدته الخيام ومحيطها من أحداث تركت آثاراً عميقة في حياة أهلها.
ولم تكن تلك الأحاديث مجرد روايات للتسلية، بل كانت دروساً في التاريخ والأخلاق، تعرّفنا إلى حياة الأجداد، وإلى ما تحلّوا به من شجاعة وكرم وتضامن في مواجهة الصعاب.
الخيام في العهد العثماني... موقع استراتيجي بين الجبل والساحل
كان الحكم العثماني قد نظّم بلاد الشام ضمن ولايات ومناطق إدارية، يتولّى إدارة كلّ منها حاكم يُعرف بالوالي، وتتفرّع عنها وحدات إدارية أصغر.
وكانت منطقة جبل عامل مرتبطة إدارياً، خلال مراحل مختلفة من العهد العثماني، بمراكز الحكم في عكا وصيدا وغيرها من المناطق المجاورة.
ويستذكر جدّي أحد الولاة الذين ارتبط اسمهم في الروايات الشعبية بمواقف قاسية تجاه أبناء المنطقة، وما تركته سياسات الحكم آنذاك من آثار على حياة الناس.
وكانت المناطق الممتدة بين الساحل الفلسطيني والجليل وجبل عامل تشهد علاقات اقتصادية واجتماعية متداخلة، تجمع أهلها التجارة والزراعة والمصاهرة والتنقّل المستمر.
وفي هذا المحيط، احتلّت الخيام موقعاً جغرافياً مميّزاً، لوقوعها على مقربة من الطرق التي تربط جبل عامل بحوران والقنيطرة ودمشق، وصولاً إلى الموانئ الساحلية في صيدا وصور وعكا وحيفا.
وكانت القوافل التجارية تعبر هذه المسالك، حاملة الحبوب والمحاصيل الزراعية والبضائع المختلفة، الأمر الذي جعل المنطقة حلقة وصل بين الداخل السوري والساحل.
الخيام... ملتقى الناس وملاذ الباحثين عن الأمان
تميّزت الخيام، كما يروي جدّي، بتنوّع أهلها وانفتاحها على القادمين إليها من المناطق المجاورة، حتى أصبحت ملتقى لأناس من أصول وانتماءات دينية ومذهبية مختلفة.
وكانت العلاقات بين السكان تقوم، في جوانب كثيرة منها، على التعاون والتجارة والمصاهرة وحسن الجوار.
وقد برزت هذه الروح الإنسانية بصورة خاصة خلال فترات الاضطرابات التي شهدتها مناطق جبل لبنان في القرن التاسع عشر، ولا سيما أحداث عامَي 1840 و1860 وما رافقها من نزاعات وتدخّلات خارجية.
وأفضت تسويات تلك المرحلة إلى قيام متصرفية جبل لبنان عام 1861، ضمن نظام إداري خاص في ظلّ الدولة العثمانية.
ويستذكر جدّي أنّ الخيام ومحيطها استقبلا، في مراحل الاضطراب، عائلات وأفراداً فرّوا من العنف أو الضيق، بحثاً عن الأمان والعمل وسبل العيش.
وكان أهل البلدة يقدّمون ما يستطيعون من مساعدة للمحتاجين، انطلاقاً من عادات الكرم وإغاثة الملهوف التي كانت متجذّرة في المجتمع.
الحرب العالمية الأولى... المجاعة و«سفر برلك» والمشانق
مع مطلع القرن العشرين، دخلت بلاد الشام مرحلة شديدة القسوة، وازدادت معاناة السكان خلال الحرب العالمية الأولى، بعد دخول الدولة العثمانية الحرب إلى جانب ألمانيا وحلفائها في مواجهة بريطانيا وفرنسا وسائر دول الحلفاء.
وفي عهد جمال باشا، شهدت المنطقة إجراءات عسكرية وأمنية صارمة، وعمليات تجنيد ونقل للسكان والجنود عُرفت شعبياً باسم «سفر برلك»، إلى جانب الاعتقالات والمحاكمات والإعدامات التي بقيت حاضرة في الذاكرة الشعبية.
وترافقت تلك الأحداث مع مجاعة قاسية أصابت جبل لبنان ومناطق أخرى، نتيجة عوامل متعدّدة، من بينها ظروف الحرب والحصار والاضطرابات الاقتصادية وتراجع الإنتاج الزراعي وصعوبة نقل المواد الغذائية.
وكان الناس يواجهون الجوع والفقر والخوف، ويبحثون عن الطعام والأمان حيثما توافرت لهم فرصة النجاة.
وهنا كان جدّي يستطرد في وصف تلك المرحلة، وما عاناه الناس من مصاعب ومتاعب، قبل أن ينتقل إلى الحديث عن دور الخيام وجبل عامل في مساعدة القادمين من المناطق المنكوبة.
من الخيام إلى حوران... رحلات البحث عن القمح والغذاء
يروي جدّي أنّ الخيام كانت من الأماكن التي قصدها الهاربون من الجوع والاضطهاد، بعدما ضاقت بهم سبل العيش في مناطقهم.
وكان بعض أبناء المنطقة يسافرون إلى حوران لشراء الحبوب والمؤن، ثم يعودون بها لتأمين حاجات أسرهم ومساعدة المحتاجين.
وفي تلك الظروف العصيبة، لم يكن تقديم الطعام للغريب أو إيواء العابر مجرّد عمل خيري عابر، بل واجباً أخلاقياً واجتماعياً يعتزّ به الناس.
وكانت بيوت الخيام تفتح أبوابها، بحسب ما تناقلته الروايات العائلية، أمام من يلجأ إليها طلباً للحماية أو الغذاء، من دون تمييز بين الناس على أساس مناطقهم أو انتماءاتهم.
ومن بين العائلات التي اشتهرت في تلك المرحلة بالكرم وإطعام المحتاجين، يبرز اسم «بيت أبو كراديش»، الذي ارتبطت به حكاية طريفة ومؤثّرة ما زالت تتناقلها الذاكرة الشعبية.
«بيت أبو كراديش»... حكاية عائلة اشتهرت بالكرم وإطعام الجائعين
كان في الخيام، كما يروي جدّي، بيت عُرف باسم «بيت أبو كراديش»، يقيم أبناؤه في مجمّع سكني كبير يُعرف باسم «دار الجواني» أو «دار العبابسة».
وكانت البيوت تحيط بهذا المجمّع من جهاته المختلفة، في تشكيل عمراني يعكس طبيعة الحياة الجماعية التي سادت آنذاك.
واشتهر أبناء هذه العائلة بتربية الجمال والعمل في الزراعة والبناء ونقل البضائع، وكانت الجمال تمثّل جزءاً مهماً من نشاطهم الاقتصادي.
غير أنّ شهرتهم لم تقتصر على أعمالهم وممتلكاتهم، بل ارتبطت قبل كلّ شيء بكرمهم واستعدادهم لإطعام الجائعين وإغاثة المحتاجين.
فحين كانت تصل إلى البلدة مجموعات من الهاربين من المجاعة، كان أبناء العائلة، بحسب الرواية، يذبحون الجمال ويُعدّون لحومها لإطعام الوافدين.
وكانوا يستخدمون لهذه الغاية وعاءً معدنيّاً ضخماً يُعرف باسم «الخَلْفينة»، وهو قدر كبير كان يُستعمل أساساً لسلق القمح تمهيداً لتجفيفه وجرشه وتحويله إلى برغل.
ونظراً إلى حجم هذا الوعاء واتّساعه، كان يتّسع لكميات كبيرة من اللحم، بعد تقطيع الجمل وتجهيزه للطهو.
من «الكردوشة» إلى «بيت أبو كراديش»... أصل التسمية
كان يُطلق على قطعة اللحم المسلوقة، في تلك الرواية الشعبية، اسم «كردوشة».
ومع تكرار مشاهد إعداد الطعام وتوزيع قطع اللحم على المحتاجين، ارتبط اسم العائلة بهذه التسمية، حتى أصبح الناس يعرفون أبناءها باسم «بيت أبو كراديش».
وهكذا تحوّلت كلمة ارتبطت بالطعام إلى لقب عائلي يحمل في الذاكرة الشعبية معنى الكرم والسخاء وإغاثة الجائعين.
ولم تكن هذه الحكاية، في نظر جدّي، مجرّد تفسير لاسم عائلة، بل شاهداً على أخلاق رجال جعلوا من ممتلكاتهم وأرزاقهم وسيلة لخدمة الآخرين، في زمن كان الجوع فيه يهدّد حياة الناس.
وقد ظلّ هذا اللقب، بما يحمله من دلالة على العطاء، جزءاً من الروايات التي يعتزّ بها أبناء العائلة والبلدة.
«الطريق على الحورة»... حكاية العناد والتمسّك بالموقف
وفي إحدى جلساتنا مع جدّي، لم أستطع أن أمنع نفسي من سؤاله عن لقب آخر كان يُطلق على أبناء العائلة، ويرتبط بالعناد والإصرار على متابعة الطريق مهما اعترضتهم العقبات.
وكان الناس يروون، على سبيل الطرافة، أنّهم إذا صادفوا شجرة حور في طريقهم، فإنّهم لا يحيدون عنها يميناً أو يساراً، بل يتسلّقونها ليواصلوا طريقهم!
عندما سمع جدّي سؤالي، ارتسمت على وجهه ابتسامته المعهودة، ثم ضحك طويلاً قبل أن يقول:
«يا بنيّ، نحن نعتزّ بأنّنا لا نحيد عن طريق الحقّ، وأنّنا نعطي كلّ صاحب حقّ حقّه، ولا نقبل الظلم أو الاعتداء على أحد.
وصحيح أنّنا عنيدون في هذا المعنى، لكنّ عنادنا هو الثبات على الحقّ، وعدم السماح لأحد بالاعتداء علينا، مهما كلّفنا ذلك من تضحيات، حتى لو بلغت الدماء».
ثم تابع حديثه قائلاً: «أما حكاية شجرة الحور، فلها قصّة أخرى تعود إلى زمن الخيام القديمة».
«دار الجواني» و«دار الحوش»... من معالم الخيام القديمة
يروي جدّي أنّ الخيام، في مراحلها القديمة، كانت تضمّ مجمّعين سكنيين كبيرين، تحيط بهما المنازل والبيوت، ولكلّ منهما مدخل رئيسي واحد.
وكان الأول يُعرف باسم «دار الجواني» أو «دار العبابسة»، والثاني باسم «دار الحوش» أو «دار المنزول».
وقد شكّلت هاتان الداران نموذجاً من أنماط السكن الجماعي القديم، حيث تتجاور البيوت ضمن مساحة محدّدة، وتربط بين سكانها علاقات القرابة والجيرة والعمل المشترك.
وكانت أبواب الدارين تُغلق عند حلول المساء، حمايةً للأهالي وممتلكاتهم من اللصوص، ومن محاولات سرقة الحيوانات التي كانت تمثّل ثروة أساسية للعائلات، كالأغنام والأبقار والحمير وغيرها.
كما كانت الأبواب المغلقة توفّر قدراً من الحماية من الحيوانات المفترسة، كالذئاب والضباع، التي كانت توجد في المناطق البرية المحيطة بالبلدة.
ومع مرور الزمن، بدأت الخيام تتوسّع، وازدادت أعداد سكانها، وقصدتها عائلات وجماعات جديدة للعمل والإقامة أو لمساندة أهلها في مواجهة الأخطار والغزوات.
وتوسّعت البيوت والمنازل حول الدارين، ونشأت علاقات جديدة بين السكان، تعزّزت بالتجارة والعمل والمصاهرة والتزاوج بين العائلات القديمة والوافدة.
أبواب تُغلق مساءً... وشباب يبحثون عن طريق للعودة
على الرغم من اتّساع البلدة وتغيّر أحوالها، ظلّت عادة إغلاق أبواب الدارين عند المساء قائمةً، حفاظاً على أمن السكان.
وهنا بدأت المشكلة بالنسبة إلى الشباب الذين يرغبون في الخروج للسهر مع أصدقائهم!
فكيف يستطيع الشابّ أن يمضي سهرته خارج الدار، ثم يعود إلى منزله بعد إغلاق الباب الرئيسي؟
كان لا بدّ من البحث عن وسيلة للدخول من دون إزعاج الأهل أو لفت انتباههم.
ولحسن حظّ هؤلاء الشباب، كانت بالقرب من الباب الرئيسي، بمحاذاة الجدار، شجرة حور كبيرة ومعمّرة، ترتفع أغصانها إلى مستوى يسمح باستخدامها وسيلةً لتجاوز السور.
فكان الشابّ العائد من سهرته يتسلّق الشجرة، ثم يقفز من فوق الجدار إلى داخل الدار، ويتسلّل إلى منزله لينام، وكأنّ شيئاً لم يكن!
«الطريق على الحورة»... حين كشفت الشجرة أسرار السهرات
في الصباح، وقبل أن يتوجّه الشبان إلى أعمالهم في الزراعة أو الرعي أو البناء أو التجارة ونقل البضائع على ظهور الجمال، كان الأهل يسألون أبناءهم:
«أين كنت البارحة؟ وكيف عدت إلى البيت والباب كان مقفلاً؟».
وكان الشابّ يحاول التهرّب من الإجابة، أو يقدّم تبريرات لا تقنع أهله.
لكنّ إصرار الوالدين، وأحياناً التهديد بالعقاب، كان يدفعه في النهاية إلى الاعتراف بالطريقة التي عاد بها إلى الدار.
فيقول إنّه تسلّق شجرة الحور المجاورة للسور، ومنها دخل إلى البيت.
ومع تكرار هذه الحوادث، شاع بين الناس التعبير:
«الطريق على الحورة!»
وهكذا أصبحت شجرة الحور جزءاً من حكاية شعبية طريفة، وانتقل اسمها إلى الذاكرة العائلية، مرتبطاً بما يُروى عن عناد أبناء العائلة وإصرارهم على متابعة الطريق، حتى لو اضطرّوا إلى تسلّق شجرة تعترضهم!
وكان جدّي يروي هذه الحكاية ضاحكاً، مستمتعاً بما فيها من طرافة، ومؤكّداً في الوقت نفسه أنّ العناد الذي يعتزّ به هو العناد في الحقّ، لا الإصرار على الخطأ.
حكايات الجدّ... مدرسة في الأخلاق والكرم والشجاعة
كانت تلك بعض الحكايات التي يرويها لنا جدّي، رحمه الله، عندما يجلس مسترخياً بين أفراد العائلة، ويستعيد صوراً من الماضي وأحداثه وشخصياته.
كنّا نصغي إليه بشغف، ونتخيّل تلك الأزمنة التي لم نعشها، والرجال الذين عرفهم أو سمع أخبارهم، والأماكن التي تغيّرت معالمها بمرور السنوات.
ولم تكن حكاياته تخلو من الطرافة والمرح، لكنها كانت تحمل دائماً معاني أعمق، تتعلّق بالأخلاق والكرم والشجاعة والإقدام والتمسّك بالحقّ ومساعدة المحتاجين.
ففي قصّة «بيت أبو كراديش» نجد معنى السخاء وإطعام الجائع، وفي حكاية «الطريق على الحورة» نجد صورة من الحياة الاجتماعية القديمة، وما كان يرافقها من عادات وتقاليد ومغامرات الشباب.
وفي الحالتين، تبقى الذاكرة الشعبية شاهداً على قيم إنسانية كانت تجمع أبناء المجتمع، وتساعدهم على مواجهة قسوة الحياة وصعوباتها.
من ذاكرة الخيام... روايات تستحقّ الحفظ والتوثيق
حين نستعيد اليوم تلك الحكايات، ندرك أنّ ما كان يرويه الأجداد للأحفاد لم يكن مجرد أحاديث عابرة تمضي بانتهاء السهرة.
بل كان وسيلة لحفظ تاريخ العائلات والبلدة، ونقل العادات والتقاليد والأمثال الشعبية، وتوريث القيم الإنسانية من جيل إلى آخر.
ولعلّ من واجبنا اليوم أن نحافظ على هذه الروايات، وأن ننقلها إلى الأجيال الجديدة، مع السعي إلى توثيق ما أمكن منها بالصور والوثائق والشهادات التاريخية.
فقد تختفي الدارات القديمة، وتُزال الأشجار التي ارتبطت بها الحكايات، وتتغيّر الطرقات والبيوت، لكنّ الذاكرة تبقى قادرة على استعادة تلك الأماكن، وإحياء وجوه الذين عاشوا فيها.
وما أجمل أن نحفظ من الماضي قصص الكرم والشجاعة والتعاون، وأن نستعيد منها ما نحتاج إليه اليوم من محبّة وتضامن ومساندة الإنسان لأخيه الإنسان.
تلك بعض الذكريات التي لا تزال محفورة في الوجدان، من حكايات جدّي عن الخيام وأهلها، وعن زمن مضى وترك لنا من أخباره وحكاياته الكثير.
وإلى لقاء آخر، مع موضوع جديد وحكاية أخرى من ذاكرة الخيام، بكلّ المحبّة والتقدير.
فايز أبو عباس
الخيام | khiyam.com