خليل كاعين: التجربة الشيوعية في القرن العشرين (الحلقة الثالثة عشرة) عهد بريجنيف.. من ذروة القوة السوفياتية إلى بداية الركود

عهد بريجنيف... من ذروة القوة السوفياتية الى بداية الركود 1964-1982
عهد بريجنيف... من ذروة القوة السوفياتية الى بداية الركود 1964-1982


حين أُبعد نيكيتا خروتشوف عن السلطة سنة 1964، لم يكن الاتحاد السوفياتي في حالة ضعف أو انهيار.

على العكس، كان قوة نووية كبرى، يمتلك قاعدة صناعية وعلمية ضخمة، ويتمتع بنفوذ واسع في أوروبا وآسيا ومناطق عديدة من العالم.

لكن القيادة الجديدة، وفي مقدمتها ليونيد بريجنيف، أرادت الابتعاد عن أسلوب خروتشوف الذي اتسم بكثرة المبادرات والتغييرات المفاجئة.

أرادت الاستقرار السياسي والإداري، وتجنب الصراعات الحادة داخل القيادة.

وقد تحقق لها قدر كبير من ذلك.

لكن الاستقرار الذي منح النظام تماسكًا لسنوات طويلة سيتحول تدريجيًا إلى جمود يحدّ من قدرته على التجديد.

وهنا يبرز أحد الأسئلة الأساسية في تاريخ التجربة السوفياتية:

كيف وصلت دولة بلغت ذروة قوتها العسكرية ونفوذها العالمي إلى مرحلة أصبحت فيها عاجزة بصورة متزايدة عن معالجة مشكلاتها الداخلية؟

قيادة جماعية واستقرار سياسي

بعد تجربة ستالين، ثم خروتشوف، اتجهت القيادة السوفياتية إلى توزيع المسؤوليات داخل قمة السلطة.

تولى بريجنيف قيادة الحزب، وأصبح أليكسي كوسيغين رئيسًا للحكومة، بينما تولى نيكولاي بودغورني لاحقًا رئاسة هيئة رئاسة السوفيات الأعلى، أي الموقع الذي يمثل رئاسة الدولة.

في البداية، لم تكن السلطة متمركزة بالكامل في يد بريجنيف.

لكن نفوذه تعزز تدريجيًا داخل الحزب والمكتب السياسي، حتى أصبح الشخصية الأكثر تأثيرًا في اتخاذ القرارات.

ومع ذلك، لم يعد النظام إلى أساليب الحكم الستالينية.

لم تتكرر حملات التطهير والإعدامات السياسية الجماعية التي ميزت الثلاثينيات.

لكن القيادة أصبحت أكثر تحفظًا تجاه النقد والإصلاح.

هل تراجع تفكيك الستالينية؟

لم يُعِد بريجنيف ستالين إلى مكانته السابقة بصورة كاملة، لكنه خفف اندفاع القيادة نحو كشف جرائمه ومراجعة سياساته.

بدأ الخطاب الرسمي يركز مجددًا على دوره في التصنيع والانتصار في الحرب العالمية الثانية، مع تجنب فتح ملفات القمع بصورة واسعة.

كان الهدف الحفاظ على استقرار النظام وشرعيته التاريخية.

فكل مراجعة جذرية للماضي قد تفتح أسئلة جديدة حول المؤسسات التي شاركت في تلك السياسات، وحول استمرارها في الحاضر.

وهكذا تراجعت عملية تفكيك الستالينية، من دون عودة كاملة إلى الستالينية نفسها.

اقتصاد قوي... ومشكلات تتراكم

في الستينيات وبداية السبعينيات، لم يكن الاقتصاد السوفياتي راكدًا.

استمر النمو الصناعي، وتوسعت قطاعات الطاقة والمعادن والصناعة الثقيلة، وتحسنت مستويات المعيشة مقارنة بالعقود السابقة.

حصل عدد متزايد من المواطنين على مساكن وأجهزة منزلية، وتوسعت خدمات التعليم والصحة والتقاعد.

كما وفرت الدولة فرص عمل واسعة واستقرارًا وظيفيًا، وكانت البطالة المفتوحة محدودة جدًا ضمن النظام الاقتصادي الرسمي.

كانت هذه إنجازات اجتماعية حقيقية، ولا يمكن فهم استمرار تأييد قطاعات من السكان للنظام من دون أخذها في الاعتبار.

لكن المشكلات بدأت تظهر بصورة تدريجية.

فالتخطيط المركزي الذي أثبت قدرته على تعبئة الموارد للتصنيع السريع وإنتاج الصناعات الثقيلة واجه صعوبات أكبر في إدارة اقتصاد متنوع ومتطور.

ولم يكن التباطؤ الاقتصادي يعني توقف النمو بصورة مطلقة، بل تراجع معدلاته وتزايد الصعوبات التي واجهت تحسين الإنتاجية والكفاءة، ولا سيما خلال النصف الثاني من السبعينيات وبداية الثمانينيات.

التخطيط المركزي وحدود الكفاءة

كان التخطيط المركزي مناسبًا نسبيًا عندما كانت الأهداف الأساسية تقوم على زيادة إنتاج الفحم والفولاذ والكهرباء والآلات والمعدات العسكرية.

لكن الاقتصاد المتقدم يحتاج أيضًا إلى تحسين الجودة، وتطوير التكنولوجيا، وتخفيض التكاليف، وتنويع المنتجات، والاستجابة لحاجات المستهلكين.

وهنا ظهرت نقاط ضعف مهمة.

فالمؤسسات السوفياتية كانت تُقيّم غالبًا على أساس تحقيق الكميات المحددة في الخطط الإنتاجية.

وقد يؤدي ذلك إلى الاهتمام بتحقيق الأرقام المطلوبة أكثر من الاهتمام بجودة المنتج أو كلفته أو الحاجة الفعلية إليه.

كما أن المديرين كانوا يترددون أحيانًا في المخاطرة بإدخال ابتكارات قد تعطل تنفيذ الخطة.

وهكذا برز تناقض اقتصادي أساسي:

تحقيق أهداف الخطة لا يعني بالضرورة تحقيق أعلى كفاءة اقتصادية أو أفضل استجابة لحاجات المجتمع.

إصلاحات كوسيغين... محاولة لم تكتمل

أدرك بعض المسؤولين هذه المشكلات.

وفي سنة 1965، أُطلقت إصلاحات اقتصادية ارتبطت باسم رئيس الوزراء أليكسي كوسيغين.

هدفت إلى منح المؤسسات قدرًا أكبر من المرونة، وإدخال مؤشرات الربحية والكفاءة إلى جانب الأهداف الإنتاجية الكمية.

لم تكن الإصلاحات محاولة للعودة إلى الرأسمالية، بل سعيًا لتحسين أداء الاقتصاد المخطط باستخدام حوافز اقتصادية أوسع.

حققت بعض النتائج الإيجابية في بدايتها، لكنها اصطدمت بمقاومة البيروقراطية، وبالتناقض بين استقلال المؤسسات واستمرار التحكم المركزي في الأسعار والاستثمارات والإنتاج.

وتدريجيًا تراجع زخم الإصلاحات.

وهنا ظهرت معضلة ستتكرر لاحقًا:

كيف يمكن إصلاح آليات الاقتصاد من دون تعديل البنية الإدارية والسياسية التي تتحكم بها؟

ربيع براغ... محاولة لإصلاح الاشتراكية انتهت بالتدخل العسكري السوفياتي

في سنة 1968، شهدت تشيكوسلوفاكيا واحدة من أبرز المحاولات الإصلاحية داخل المعسكر الاشتراكي، عُرفت باسم «ربيع براغ»

ولم تنشأ هذه التجربة فجأة، بل جاءت نتيجة تراكم مشكلات اقتصادية وسياسية واجتماعية خلال سنوات حكم الحزب الشيوعي، الذي تولى السلطة سنة 1948.

فقد عانى الاقتصاد التشيكوسلوفاكي، رغم قاعدته الصناعية المتقدمة، من تباطؤ النمو وضعف الكفاءة، بينما أدت المركزية الشديدة والرقابة على الصحافة والحياة الثقافية إلى تصاعد المطالب بالإصلاح.

كما برزت خلافات داخل الحزب نفسه بين تيار محافظ يتمسك بالنظام القائم، وتيار إصلاحي يرى أن استمرار الاشتراكية يتطلب تطوير مؤسساتها وتوسيع المشاركة الشعبية.

وفي كانون الثاني/يناير 1968، وصل ألكسندر دوبتشيك إلى منصب الأمين الأول للحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي، وبدأ مشروعًا إصلاحيًا حمل شعار «الاشتراكية ذات الوجه الإنساني»

لم يكن دوبتشيك يدعو إلى إسقاط الاشتراكية أو إعادة النظام الرأسمالي، ولم يطرح الانسحاب من حلف وارسو أو إنهاء التحالف مع الاتحاد السوفياتي.

بل أراد بناء نظام اشتراكي أكثر انفتاحًا، يجمع بين الملكية الاجتماعية لوسائل الإنتاج، وتحسين الأداء الاقتصادي، وتوسيع الحريات العامة.

وفي نيسان/أبريل 1968، أعلن الحزب برنامج عمل إصلاحيًا تضمن تخفيف الرقابة على الصحافة، وتوسيع حرية التعبير والنقاش، وإصلاح الإدارة والاقتصاد، ومنح المؤسسات الإنتاجية قدرًا أكبر من الاستقلالية.

كما طُرحت إصلاحات للعلاقة بين المكوّنين التشيكي والسلوفاكي، بما يتيح قدرًا أوسع من المساواة والمشاركة في إدارة الدولة.

وسرعان ما تجاوزت الحركة الإصلاحية حدود النقاش داخل الحزب، إذ شهدت البلاد نشاطًا فكريًا وثقافيًا وسياسيًا واسعًا، وبدأ المواطنون يناقشون علنًا قضايا كانت خاضعة للرقابة.

لكن هذا الانفتاح أثار قلق القيادة السوفياتية وحكومات اشتراكية أخرى، ولا سيما في بولندا وألمانيا الشرقية.

فقد خشيت هذه القيادات أن يؤدي اتساع الحريات إلى إضعاف احتكار الحزب الشيوعي للسلطة، وأن تنتقل المطالب الإصلاحية إلى بقية دول أوروبا الشرقية.

كما اعتبرت موسكو أن تشيكوسلوفاكيا تحتل موقعًا استراتيجيًا مهمًا في وسط أوروبا، وأن أي تحول سياسي يبعدها عن المعسكر السوفياتي قد يخل بالتوازن العسكري مع حلف شمال الأطلسي.

وهنا ينبغي التمييز بين أمرين:

لم يكن خروج تشيكوسلوفاكيا من المعسكر الاشتراكي هدفًا معلنًا لقيادتها الإصلاحية، لكن موسكو كانت تخشى أن يؤدي استمرار الانفتاح إلى نتائج تتجاوز نيات دوبتشيك نفسه.

ومع اتساع النقاشات وظهور مطالب أكثر جرأة، تصاعدت الضغوط السوفياتية.

وفي تموز/يوليو 1968، قاد الاتحاد السوفياتي تحركًا سياسيًا مشتركًا مع أربع دول اشتراكية حليفة، هي بولندا وألمانيا الشرقية والمجر وبلغاريا، ووجّهت الدول الخمس رسالة إلى القيادة التشيكوسلوفاكية تحذر فيها مما اعتبرته خطرًا على النظام الاشتراكي ووحدة المعسكر الشرقي.

وأعقبت الرسالة لقاءات ومفاوضات بين القيادة السوفياتية والقيادة التشيكوسلوفاكية، حاول خلالها دوبتشيك طمأنة موسكو إلى أن الإصلاحات لا تستهدف إسقاط الاشتراكية أو الانسحاب من حلف وارسو.

لكن هذه التطمينات لم تبدد مخاوف القيادة السوفياتية وحلفائها، واستمر الخلاف حول حدود الإصلاحات ومدى استقلال القرار السياسي التشيكوسلوفاكي.

وزاد التوتر مع ظهور تيارات داخل المجتمع تطالب بإصلاحات أوسع، ومع معارضة بعض القيادات الشيوعية المحافظة لمسار الانفتاح. وقد طلبت مجموعة من هذه القيادات سرًا المساعدة والتدخل السوفياتي، معتبرة أن الاشتراكية في بلادها أصبحت مهددة.

وفي ليلة 20 إلى 21 آب/أغسطس 1968، دخلت قوات سوفياتية وبولندية ومجرية وبلغارية، في إطار عملية عسكرية قادها الاتحاد السوفياتي بمشاركة دول من حلف وارسو، الأراضي التشيكوسلوفاكية، وسيطرت على المراكز الرئيسية في البلاد.

وكانت ألمانيا الشرقية من الدول التي شاركت في الضغوط السياسية والتخطيط للعملية، لكن قواتها القتالية لم تشارك في احتلال تشيكوسلوفاكيا على نحو مماثل للقوات الأربع المذكورة.

لم تواجه القوات المتدخلة مقاومة عسكرية منظمة من الجيش التشيكوسلوفاكي، لكن المواطنين أبدوا مقاومة مدنية واسعة، شملت التظاهرات والاحتجاجات ورفض التعاون مع القوات الأجنبية.

واعتُقل دوبتشيك وعدد من القيادات الإصلاحية ونُقلوا إلى موسكو، حيث فُرضت عليهم ترتيبات سياسية قيّدت الإصلاحات.

ولم يُعزل دوبتشيك نهائيًا فور التدخل، لكنه فقد تدريجيًا قدرته على متابعة مشروعه، إلى أن أُبعد عن قيادة الحزب في نيسان/أبريل 1969، وحل محله غوستاف هوساك.

وبدأت مرحلة عُرفت باسم «التطبيع»، أعادت خلالها القيادة الجديدة فرض الرقابة والقيود السياسية، وألغت معظم الإصلاحات التي شهدتها البلاد.

شكّل التدخل صدمة لقطاعات واسعة من الحركة الشيوعية واليسار العالمي.

فقد أثار سؤالًا يتجاوز حدود تشيكوسلوفاكيا:

هل يحق لدولة اشتراكية كبرى أن تستخدم قوتها العسكرية لمنع دولة اشتراكية حليفة من إصلاح نظامها السياسي والاقتصادي؟

من وجهة نظر القيادة السوفياتية، كان التدخل ضرورة لحماية النظام الاشتراكي ومنع اختراق المعسكر الشرقي وإضعاف أمنه الاستراتيجي.

أما الإصلاحيون التشيكوسلوفاكيون ومنتقدو التدخل، فرأوا فيه انتهاكًا لسيادة دولة مستقلة، وإجهاضًا لمحاولة تطوير الاشتراكية من داخل مؤسساتها.

وهكذا كشفت تجربة ربيع براغ عن تناقض عميق بين الدعوة إلى تحرير الإنسان والمجتمع، وبين إخضاع خيارات الشعوب لمقتضيات الأمن والنفوذ لدى الدولة الكبرى.

لقد أراد دوبتشيك إصلاح الاشتراكية للحفاظ عليها، لكن القيادة السوفياتية خشيت أن يؤدي الإصلاح نفسه إلى فقدان السيطرة على النظام.

ولم تتوقف نتائج هذه التجربة عند حدود تشيكوسلوفاكيا، بل أسهمت في بلورة مبدأ سياسي سيُعرف لاحقًا باسم «عقيدة بريجنيف»، الذي وضع حدودًا لسيادة الدول الاشتراكية عندما تتعارض خياراتها الداخلية مع ما تعتبره موسكو مصالح المعسكر الاشتراكي بأكمله.

عقيدة بريجنيف وحدود السيادة:

بعد أحداث تشيكوسلوفاكيا، تبلور ما عُرف في الغرب باسم «عقيدة بريجنيف».

قامت على فكرة أن سيادة الدولة الاشتراكية تصبح مقيدة عندما ترى موسكو وحلفاؤها أن التحولات الداخلية فيها تهدد النظام الاشتراكي في المعسكر كله.

وهذا يعني عمليًا أن الدول الواقعة ضمن المجال السوفياتي لا تتمتع بحرية كاملة في تغيير أنظمتها السياسية أو تحالفاتها.

ساعد هذا المنطق على الحفاظ على تماسك الكتلة الشرقية لفترة، لكنه كشف تناقضًا عميقًا.

إذا كانت الاشتراكية تعبر عن إرادة الشعوب، فلماذا تحتاج أحيانًا إلى تدخل عسكري خارجي لمنع هذه الشعوب من تعديل أنظمتها؟

الشيوعية الأوروبية... بداية الابتعاد عن موسكو:

ترك قمع ربيع براغ أثرًا كبيرًا داخل الحركة الشيوعية العالمية.

فقد اتجهت أحزاب شيوعية في أوروبا الغربية، وخصوصًا في إيطاليا وإسبانيا، إلى التأكيد على استقلالها عن موسكو، وإمكان الوصول إلى الاشتراكية عبر الانتخابات والتعددية السياسية والحريات الديمقراطية.

وعُرف هذا الاتجاه لاحقًا باسم «الشيوعية الأوروبية»

لكن الأحزاب لم تتبنَّ جميعها المواقف نفسها؛ فقد اختلفت درجة استقلالها ونقدها للتجربة السوفياتية، وكان موقف الحزب الشيوعي الفرنسي أكثر تعقيدًا وتحفظًا في مراحل مختلفة.

أثار هذا التطور سؤالًا مهمًا:

هل توجد صيغة شيوعية واحدة ينبغي أن تتبع النموذج السوفياتي، أم أن لكل مجتمع حق اختيار طريقه نحو الاشتراكية؟

وسيصبح هذا السؤال أساسيًا عند تقييم تجارب الأحزاب الشيوعية خارج الاتحاد السوفياتي.

ذروة القوة العسكرية والتوازن النووي:

رغم المشكلات الداخلية، استمر الاتحاد السوفياتي في تعزيز قدراته العسكرية.

وخلال السبعينيات، اقترب من التكافؤ النووي الاستراتيجي مع الولايات المتحدة.

امتلك صواريخ عابرة للقارات، وغواصات نووية، وقوات جوية وبرية ضخمة، وحافظ على وجود عسكري واسع في أوروبا الشرقية.

لم تعد واشنطن تتمتع بالتفوق الاستراتيجي الذي امتلكته في السنوات الأولى بعد الحرب العالمية الثانية.

وأصبح الردع النووي قائمًا بصورة متزايدة على خطر التدمير المتبادل.

فأي حرب نووية شاملة بين القوتين قد تؤدي إلى خسائر كارثية للطرفين.

وهنا ظهرت مفارقة خطيرة:

أصبحت القدرة على تدمير الخصم إحدى الوسائل الأساسية لمنعه من شن الحرب.

الانفراج الدولي... إدارة الصراع بدل إنهائه:

في بداية السبعينيات، دخلت العلاقات الأميركية السوفياتية مرحلة عُرفت باسم الانفراج، أو Détente

زار الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون موسكو سنة 1972، ووقّع الطرفان اتفاقات للحد من بعض الأسلحة الاستراتيجية، من بينها اتفاق SALT I ومعاهدة الحد من أنظمة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية.

كما توسعت الاتصالات التجارية والدبلوماسية.

لم يكن الانفراج نهاية الحرب الباردة، بل محاولة لإدارة التنافس بين القوتين وتقليل خطر المواجهة المباشرة.

وفي الوقت نفسه، استمر الصراع على النفوذ في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط وأميركا اللاتينية.

وكانت النزاعات المحلية تمتلك أسبابها الداخلية، لكن القوتين حاولتا التأثير في مساراتها من خلال المساعدات العسكرية والسياسية والاقتصادية.

العالم العربي في قلب المنافسة الدولية:

خلال عهد بريجنيف، أصبحت العلاقات السوفياتية مع عدد من الدول العربية أكثر أهمية.

تلقت مصر وسوريا والعراق والجزائر، بدرجات مختلفة، أسلحة ومساعدات اقتصادية وتدريبًا عسكريًا من الاتحاد السوفياتي.

وبعد حرب حزيران/يونيو 1967، التي انتهت باحتلال إسرائيل أراضي عربية واسعة، ساهمت موسكو في إعادة تسليح مصر وسوريا.

كما تعزز الوجود العسكري والاستشاري السوفياتي في المنطقة.

لكن الدول العربية لم تكن مجرد أدوات بيد موسكو.

كانت لها مصالحها القومية وحساباتها الداخلية وتحالفاتها المتغيرة.

وقد ظهر ذلك بوضوح في العلاقة مع مصر.

من عبد الناصر إلى السادات:

أقام جمال عبد الناصر علاقات وثيقة نسبيًا مع الاتحاد السوفياتي، مع حرصه على استقلال القرار المصري وعدم التحول إلى تابع كامل لأي من المعسكرين.

بعد وفاته سنة 1970، ووصول أنور السادات إلى السلطة، بدأت العلاقات تتغير تدريجيًا.

وفي سنة 1972، قرر السادات إخراج عدد كبير من الخبراء والمستشارين العسكريين السوفيات من مصر.

لكن التعاون العسكري لم يتوقف فورًا.

وفي حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، استخدمت مصر وسوريا أسلحة سوفياتية على نطاق واسع.

بعد الحرب، اتجه السادات بصورة متزايدة نحو الولايات المتحدة، وصولًا إلى اتفاقات كامب ديفيد سنة 1978 ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية سنة 1979.

وكان تحول مصر الاستراتيجي خسارة مهمة للنفوذ السوفياتي في الشرق الأوسط.

وقد كشف ذلك أن المساعدات العسكرية والاقتصادية لا تضمن استمرار التحالفات السياسية.

إسرائيل والحرب الباردة:

في المقابل، تعززت العلاقة الاستراتيجية بين إسرائيل والولايات المتحدة، ولا سيما منذ أواخر الستينيات وخلال السبعينيات.

وأصبح الصراع العربي الإسرائيلي أكثر ارتباطًا بالتنافس بين القوتين العظميين.

لكن لا ينبغي اختزاله في الحرب الباردة.

فله جذوره التاريخية والسياسية الخاصة، المرتبطة بفلسطين والاستعمار والصهيونية والتهجير والحروب والحقوق الوطنية.

لم تخلق موسكو أو واشنطن هذا الصراع، لكن كلتيهما حاولت التأثير في مساره ضمن حساباتها الاستراتيجية.

ومع الوقت، أصبحت إسرائيل أقرب إلى المعسكر الأميركي، بينما دعمت موسكو عددًا من الدول العربية المناهضة لها.

وهذا يفسر جانبًا من التحول في السياسة السوفياتية الذي بدأ منذ الخمسينيات.

النفط... موارد تؤجل الإصلاح:

خلال السبعينيات، ارتفعت أسعار النفط العالمية بصورة كبيرة.

وكان الاتحاد السوفياتي من كبار منتجي النفط والغاز ومصدريهما.

وفرت صادرات الطاقة موارد مهمة من العملات الأجنبية، ساعدت على تمويل الواردات، بما فيها الحبوب وبعض المعدات والسلع.

كما خففت الضغوط الاقتصادية على القيادة، وأسهمت في الحفاظ على مستويات معيشة مستقرة نسبيًا.

لكن لهذه الموارد وجهًا آخر.

فهي لم تعالج مشكلات الإنتاجية والحوافز والبيروقراطية، وربما خففت الإلحاح السياسي لإجراء إصلاحات أعمق.

وهكذا ساعدت عائدات الطاقة على تأجيل مواجهة بعض الاختلالات البنيوية، من دون أن تكون وحدها سبب الركود أو استمراره.

الحياة اليومية... الأمن الاجتماعي وحدود الاختيار:

بالنسبة إلى كثير من المواطنين السوفيات، لم يكن عهد بريجنيف مرحلة تدهور شامل.

فقد تمتعوا باستقرار وظيفي، وتعليم واسع الانتشار، وخدمات صحية عامة، وإيجارات منخفضة نسبيًا، وضمانات اجتماعية وتقاعدية.

وكان لهذه المكتسبات أثر ملموس في الحياة اليومية.

لكن النظام عانى في المقابل نقص بعض السلع، وطول فترات الانتظار للحصول على مساكن أو منتجات معينة، وتفاوت الجودة، وضعف الخيارات الاستهلاكية.

كما بقيت حرية التعبير والتنظيم السياسي مقيدة.

وبمرور الوقت، ظهرت معادلة غير مكتوبة:

توفر الدولة قدرًا من الأمن الاجتماعي والاستقرار، مقابل محدودية المشاركة السياسية وضعف القدرة على التأثير في القرارات العامة.

الاقتصاد غير الرسمي والبيروقراطية:

عندما لم تكن القنوات الرسمية قادرة على تلبية جميع الحاجات، توسعت بعض أشكال النشاط الاقتصادي غير الرسمي.

انتشرت العلاقات الشخصية والمقايضة والخدمات غير المعلنة والسوق السوداء بدرجات متفاوتة.

وأصبح الحصول على بعض السلع أو تسريع بعض المعاملات يعتمد أحيانًا على المعرفة الشخصية والنفوذ الإداري.

عُرفت هذه الأنشطة في الدراسات الاقتصادية باسم «الاقتصاد الثاني»

ولم تكن كلها نشاطات إجرامية بالمعنى نفسه، لكنها كشفت وجود فجوة بين آليات التوزيع الرسمية والحاجات الفعلية للمجتمع.

وفي الوقت نفسه، تمتعت فئات من المسؤولين وكوادر الحزب والإدارة بامتيازات لم تكن متاحة لجميع المواطنين.

عُرفت النخبة المرتبطة بمواقع التعيين الحزبي والإداري باسم «النومنكلاتورا»

ولم تكن هذه الفئة طبقة رأسمالية تملك المصانع الكبرى ملكية خاصة، لكنها امتلكت نفوذًا مؤسسيًا وامتيازات مادية وإدارية.

وهنا ظهر سؤال مهم في نقد التجربة السوفياتية:

إذا كانت الثورة قد هدفت إلى إنهاء سيطرة الطبقات المهيمنة، فهل أدى احتكار السلطة إلى نشوء نخبة بيروقراطية تتمتع بامتيازات خاصة؟

الرقابة والمعارضة... القمع لم يختفِ:

لم يعد القمع في عهد بريجنيف مماثلًا للقمع الستاليني من حيث الحجم والأساليب.

لكنه لم يختفِ.

برز مثقفون ومعارضون طالبوا بالحريات السياسية وحقوق الإنسان، ومن أشهرهم الفيزيائي أندريه ساخاروف والكاتب ألكسندر سولجينتسين.

استخدمت السلطات الرقابة، والمنع من النشر، والفصل من العمل، والنفي الداخلي، والسجن في بعض الحالات.

كما استُخدمت مؤسسات الطب النفسي بصورة تعسفية ضد بعض المعارضين.

وفي سنة 1974، جُرّد سولجينتسين من جنسيته السوفياتية وأُبعد عن البلاد.

وكانت هذه الإجراءات دليلًا على استمرار حدود صارمة للنقاش السياسي والفكري، رغم التراجع الكبير في حجم العنف السياسي مقارنة بعهد ستالين.

هلسنكي... الحقوق التي أصبحت أداة للمساءلة:

في سنة 1975، وُقعت وثيقة هلسنكي الختامية ضمن مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا، بمشاركة دول أوروبية والولايات المتحدة وكندا والاتحاد السوفياتي.

أكدت الوثيقة مبادئ تتعلق بأمن الدول والحدود القائمة وعدم استخدام القوة، وهو ما اعتبرته موسكو مكسبًا دبلوماسيًا مهمًا.

لكنها تضمنت أيضًا التزامات سياسية تتعلق بحقوق الإنسان والحريات الأساسية.

لم تكن الوثيقة معاهدة تمنح اعترافًا قانونيًا نهائيًا بكل الحدود، لكنها عززت الإطار السياسي للأمن الأوروبي.

وسرعان ما بدأت مجموعات حقوقية ومعارضة داخل الاتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية تستخدم التزامات هلسنكي لمساءلة حكوماتها.

وهكذا أصبحت المبادئ التي وافقت عليها الدولة في إطار سياستها الخارجية وسيلة للمطالبة بتغيير ممارساتها الداخلية.

الصين والولايات المتحدة... المصالح تتجاوز الأيديولوجيا:

كان الانقسام السوفياتي الصيني قد أصبح عميقًا خلال الستينيات.

وفي سنة 1969، وقعت اشتباكات حدودية مسلحة بين الدولتين.

أصبح الاتحاد السوفياتي يواجه توترًا استراتيجيًا مع الصين في الشرق، إضافة إلى المنافسة مع حلف شمال الأطلسي في الغرب.

استفادت الولايات المتحدة من هذا الخلاف.

وفي سنة 1972، زار الرئيس نيكسون الصين، وبدأ تقارب أميركي صيني غيّر موازين العلاقات الدولية.

كانت المفارقة واضحة:

الصين الشيوعية اقتربت من الولايات المتحدة الرأسمالية لموازنة الاتحاد السوفياتي الشيوعي.

وقد أكد ذلك أن المصالح القومية والاستراتيجية يمكن أن تتقدم على الروابط الأيديولوجية.

فيتنام وأفريقيا... اتساع النفوذ السوفياتي:

في سنة 1975، انتهت حرب فيتنام بسقوط سايغون وانتصار القوات الشيوعية الفيتنامية.

بدا الحدث هزيمة كبيرة للولايات المتحدة، وانتصارًا سياسيًا للمعسكر الاشتراكي.

كما شهدت دول أخرى في الهند الصينية تحولات نحو أنظمة شيوعية.

وفي أفريقيا، توسع النفوذ السوفياتي من خلال العلاقات مع حكومات وحركات في أنغولا وموزمبيق وإثيوبيا وغيرها.

لكن هذه التجارب كانت مختلفة في ظروفها وأهدافها، ولم تكن جميعها مجرد امتداد مباشر للسياسة السوفياتية.

وفي منتصف السبعينيات، بدا أن موسكو تحقق مكاسب جيوسياسية مهمة.

غير أن اتساع النفوذ الخارجي تزامن مع تزايد المشكلات الاقتصادية والإدارية داخل الاتحاد السوفياتي نفسه.

بولندا... العمال في مواجهة دولة تحكم باسمهم:

في بولندا، بدأت أزمة سياسية واجتماعية ذات دلالة خاصة.

كان النظام الاشتراكي يعلن أنه يمثل الطبقة العاملة، لكن العمال أنفسهم خاضوا احتجاجات متكررة على الأوضاع المعيشية والقيود السياسية.

وفي سنة 1980، ظهرت حركة «تضامن» بقيادة ليخ فاونسا، بوصفها نقابة مستقلة عن سيطرة الحزب الحاكم.

انضم إليها ملايين البولنديين، وأصبحت قوة اجتماعية وسياسية واسعة، وبلغ عدد المنتسبين إليها نحو عشرة ملايين في ذروة انتشارها خلال عامي 1980 و1981.

كانت من أبرز التجارب النقابية المستقلة داخل دول المعسكر الاشتراكي، وشكلت تحديًا غير مسبوق لاحتكار الحزب الحاكم تمثيل الطبقة العاملة.

كان التحدي يتجاوز المطالب الاقتصادية.

إذا كان العمال هم أصحاب السلطة نظريًا، فلماذا يحتاجون إلى نقابة مستقلة للدفاع عن مصالحهم في مواجهة الدولة التي تحكم باسمهم؟

في كانون الأول/ديسمبر 1981، فرضت القيادة البولندية الأحكام العرفية وقمعت الحركة، من دون تدخل عسكري سوفياتي مباشر على غرار المجر سنة 1956 وتشيكوسلوفاكيا سنة 1968.

لكن النفوذ والضغط السوفياتيين بقيا عاملين مهمين في الأزمة.

وكانت الأحداث مؤشرًا إلى تراجع قدرة الأنظمة الاشتراكية في أوروبا الشرقية على الحفاظ على شرعيتها الاجتماعية والسياسية.

أفغانستان... حرب تستنزف القوة العظمى:

في كانون الأول/ديسمبر 1979، تدخل الجيش السوفياتي عسكريًا في أفغانستان.

كانت البلاد قد شهدت انقلابًا قاده حزب الشعب الديمقراطي الأفغاني سنة 1978، أعقبته صراعات داخل السلطة ومقاومة مسلحة واسعة ضد سياسات النظام الجديد.

خشيت موسكو انهيار الحكومة الحليفة، وتدهور الوضع على حدودها الجنوبية.

دخلت القوات السوفياتية، وأُطيح بحفيظ الله أمين، وتولى بابراك كارمل السلطة بدعم سوفياتي.

لكن التدخل الذي كان يُفترض أن يثبت النظام تحول إلى حرب طويلة.

دعمت الولايات المتحدة وباكستان والسعودية ودول أخرى فصائل من المقاومة الأفغانية بدرجات مختلفة.

وأصبحت أفغانستان إحدى ساحات الحرب الباردة.

هل كانت أفغانستان «فيتنام السوفياتية»؟

يحمل التشبيه بعض أوجه الشبه، لكنه لا يعني تطابق التجربتين.

ففي الحالتين تدخلت قوة عظمى في حرب معقدة، وواجهت مقاومة محلية مدعومة خارجيًا، وعجزت عن تحقيق تسوية سياسية مستقرة خلال سنوات طويلة.

لكن الظروف الجغرافية والسياسية والتاريخية كانت مختلفة.

وكانت الحرب الأفغانية عبئًا عسكريًا واقتصاديًا ومعنويًا على الاتحاد السوفياتي، وأسهمت في تدهور علاقاته مع الغرب.

كما كانت أحد العوامل التي ساعدت على إنهاء مرحلة الانفراج الدولي.

عودة المواجهة مع الولايات المتحدة:

مع نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، تراجعت أجواء الانفراج بين القوتين.

وبعد وصول رونالد ريغان إلى الرئاسة الأميركية سنة 1981، اتخذت واشنطن سياسة أكثر تشددًا تجاه الاتحاد السوفياتي.

ارتفع الإنفاق العسكري، وتزايدت حدة الخطاب السياسي والمواجهة الاستراتيجية بين الطرفين.

وبعد وفاة بريجنيف سنة 1982، استمر هذا التصعيد خلال عهدي أندروبوف وتشيرنينكو، وأُعلنت سنة 1983 مبادرة الدفاع الاستراتيجي الأميركية، المعروفة إعلاميًا باسم «حرب النجوم»

كما توسع الدعم الأميركي لقوى مناهضة للنفوذ السوفياتي في مناطق متعددة.

كان الاتحاد السوفياتي لا يزال يمتلك قدرات عسكرية ضخمة، لكنه واجه صعوبة متزايدة في الجمع بين متطلبات التنافس العسكري والتكنولوجي وحاجات اقتصاده المدني.

وأصبحت الفجوة بين القوة العسكرية والقدرة الاقتصادية على الاستمرار في المنافسة أكثر وضوحًا.

لماذا بدأ الاقتصاد السوفياتي يتباطأ؟

لم يكن الركود نتيجة سبب واحد.

فقد تراكمت عوامل متعددة:

• تعقيد التخطيط المركزي وصعوبة إدارة اقتصاد متنوع من خلال أجهزة بيروقراطية ضخمة.

• ضعف الحوافز المؤسسية على الابتكار وتحسين الجودة والإنتاجية.

• مقاومة التغيير داخل الأجهزة الحزبية والإدارية.

• الأعباء الكبيرة للإنفاق العسكري والاستثمارات في قطاعات ثقيلة على حساب بعض الحاجات المدنية.

• استمرار مشكلات الزراعة رغم الاستثمارات الواسعة.

• الاعتماد المتزايد على عائدات الطاقة في الحصول على العملات الأجنبية.

• صعوبات مواكبة بعض التطورات في الإلكترونيات والمعلوماتية والتكنولوجيا الإنتاجية.

ولم تكن جميع هذه العوامل جديدة، لكنها أصبحت أكثر تأثيرًا مع تباطؤ النمو وتراجع المكاسب التي كان الاقتصاد يحققها في المراحل السابقة.

ولم يكن الركود يعني توقف النشاط الاقتصادي أو انعدام النمو بصورة مطلقة، بل تباطؤ معدلات النمو والإنتاجية وتراجع قدرة الاقتصاد على تحقيق التحسن الذي عرفه في العقود السابقة.

وهكذا أخذ وصف «الركود» يرتبط بصورة متزايدة بالسنوات الأخيرة من عهد بريجنيف.

شيخوخة القيادة... وغياب التجديد:

لم يكن الاقتصاد وحده يعاني الجمود.

فقد بقي كثير من أعضاء القيادة السوفياتية في مواقعهم سنوات طويلة، وتقدموا في السن من دون تجديد كافٍ للنخب السياسية.

وأصبح الاستقرار الوظيفي داخل الأجهزة العليا عاملًا يشجع المحافظة على السياسات القائمة وتجنب المبادرات التي قد تحمل مخاطر.

وكانت المفارقة لافتة.

فالنظام الذي نشأ من ثورة رفعت شعارات التغيير الجذري أصبح يُدار في سنواته الأخيرة بواسطة قيادة شديدة الحذر من التغيير.

توفي بريجنيف في تشرين الثاني/نوفمبر 1982.

وخلفه يوري أندروبوف، الذي حاول معالجة بعض مظاهر الفساد وضعف الانضباط الإداري، لكنه توفي في شباط/فبراير 1984 بعد فترة قصيرة في الحكم.

ثم تولى قسطنطين تشيرنينكو القيادة، وكان يعاني بدوره مشكلات صحية، وتوفي في آذار/مارس 1985.

وخلال أقل من ثلاث سنوات، توفي ثلاثة قادة سوفيات.

كانت هذه المرحلة القصيرة تعبيرًا واضحًا عن أزمة تجديد القيادة.

1985 بداية مرحلة جديدة

بعد وفاة تشيرنينكو، اختار الحزب الشيوعي ميخائيل غورباتشوف أمينًا عامًا في آذار/مارس 1985.

كان في الرابعة والخمسين من عمره، وأصغر بكثير من القادة الذين سبقوه.

لم يأتِ غورباتشوف من خارج النظام.

بل نشأ داخل مؤسساته وتدرج في مسؤولياته.

لكنه كان يرى أن استمرار الاتحاد السوفياتي يتطلب إصلاحات اقتصادية وإدارية وسياسية، وتجديدًا في أساليب القيادة، وتخفيفًا لأعباء المواجهة مع الغرب.

لم يكن هدفه المعلن إسقاط الاشتراكية أو تفكيك الاتحاد السوفياتي.

بل كان يسعى إلى إصلاح النظام والحفاظ عليه.

لكن التجربة ستكشف أن تغيير نظام شديد الترابط قد يؤدي إلى نتائج تتجاوز نيات أصحابه.

فالإصلاح الاقتصادي سيطرح أسئلة حول الإدارة والسلطة.

وتوسيع حرية النقاش سيفتح ملفات الماضي والحاضر.

وتخفيف المركزية سيعيد طرح العلاقة بين موسكو والجمهوريات السوفياتية.

من ذروة القوة إلى ضرورة الإصلاح:

لم يكن عهد بريجنيف مجرد مرحلة ركود.

فقد شهد الاتحاد السوفياتي خلاله تقدمًا في قدراته العسكرية، وتوسعًا في نفوذه الدولي، وتحسنًا في مستويات المعيشة لدى قطاعات واسعة من السكان.

لكن الإنجازات لم تمنع تراكم مشكلات اقتصادية وإدارية وسياسية عميقة.

ومع مرور الوقت، أصبح الحفاظ على الاستقرار هدفًا يتقدم على التجديد، وتراجعت قدرة المؤسسات على الاعتراف بأخطائها وتصحيحها.

وهنا نعود إلى السؤال الذي طرحناه في بداية الحلقة:

كيف وصلت دولة بلغت ذروة قوتها العسكرية ونفوذها العالمي إلى مرحلة أصبحت فيها الإصلاحات ضرورة لاستمرارها؟

لم تكن المشكلة أن الاتحاد السوفياتي افتقر إلى القوة، بل أن امتلاك القوة لم يكن كافيًا لضمان كفاءة الاقتصاد، وتجديد المؤسسات، والحفاظ على الثقة بين الدولة والمجتمع.

وفي سنة 1985، بدأت محاولة جديدة للإجابة عن هذا التحدي.

محاولة قادها غورباتشوف تحت شعارات الإصلاح وإعادة البناء والانفتاح.

لكنها ستقود إلى تحولات لم يكن يتوقعها كثيرون، وستفتح الطريق إلى أخطر أزمة في تاريخ الاتحاد السوفياتي.

يتبع...

الحلقة الرابعة عشرة: غورباتشوف... البيريسترويكا والغلاسنوست، ومحاولة إصلاح النظام السوفياتي

د. خليل كاعين

#غوستاف_هوسا#

# ألكسند_ دوبتشيك

# ربيع_براغ

# عقيدة_بريجنيف

# الشيوعية_الأوروبية

SALT_I#

# اتفاقات_كامب

# الاقتصاد_الثاني

# النومنكلاتورا

# أندريه_ساخاروف

#ألكسندر_سولجينتسين

# وثيقة_هلسنكي_الختامية

# ليخ_فاونسا

# رونالد_ريغان

# أندروبوف

#تشيرنينكو

# حرب_النجوم

القيادة الجماعية  بعد خروتشوف
القيادة الجماعية بعد خروتشوف


ربيع براغ سنة 1968
ربيع براغ سنة 1968


نفط سيبيريا في عهد بريجنيف
نفط سيبيريا في عهد بريجنيف


هلسنكي سنة 1975
هلسنكي سنة 1975


حركة تضامن في بولندا
حركة تضامن في بولندا


شيخوخة القيادة السوفياتية
شيخوخة القيادة السوفياتية