
المربي الأستاذ فايز أبو عباس
من بلد الشيخ في ضواحي حيفا إلى الخيام عام 1948... عودة إلى أرض الأجداد، وبداية حياة جديدة بين مدارس البلدة وبيوتها القديمة، وذكريات زمن كانت فيه الأخبار تُنقل بالراديو والرسائل، وكانت البراءة تحجب عن عيون الأطفال قسوة الأحداث التي تعصف بالمنطقة.
العودة إلى الخيام... بداية حياة جديدة بعد الرحيل من فلسطين
في عام 1948، عاد والدي ووالدتي من «بلد الشيخ»، إحدى ضواحي حيفا في فلسطين، إلى بلدتنا الخيام في لبنان، بعدما تدهورت الأوضاع الأمنية، وتصاعدت الاعتداءات والمجازر التي ارتكبتها التنظيمات الصهيونية المسلّحة بحقّ السكان الفلسطينيين، في ظلّ الانتداب البريطاني الذي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة.
وكانت القوات البريطانية لا تزال موجودة في مواقع عسكرية بالمنطقة، ومنها المعسكرات التي عرفناها في سهل بلد الشيخ وبين كروم الزيتون.
غادر والدي منزله، وترك وراءه سنوات طويلة من العمل والتعب والشقاء، امتدّت لأكثر من عشر سنوات، وعاد، كما يقول المثل الشعبي، «بخفّي حُنين»، خالي الوفاض تقريباً، بعدما اضطرّ إلى ترك معظم ما جمعه خلال إقامته في فلسطين.
لم يكن أمامه سوى البدء من جديد، مستنداً إلى خبرته المهنية وإرادته في تأمين حياة كريمة لعائلته، في البلدة التي وُلد فيها ونشأ بين أهلها.
من شركة «شل» إلى مهنة النحت والبناء
بعد عودته إلى الخيام، استأنف والدي مهنته القديمة في نحت الحجارة والبناء، وهي المهنة التي كان قد اكتسب أصولها ومهاراتها على أيدي البنّائين والنحّاتين الشويريين، الذين اشتهروا بإتقان الأعمال الحجرية.
وكان هؤلاء الحرفيون قد عملوا في تشييد القصور والمنازل الكبيرة والمباني ذات الأقبية والقناطر الحجرية، القائمة على الأعمدة والجدران المزخرفة بالنقوش والرسوم الجميلة.
وقد تعلّم والدي منهم أسرار هذه الحرفة، فاكتسب خبرة واسعة في اختيار الحجارة ونحتها وتشكيلها، ثم استخدامها في تشييد الجدران والقناطر والمنازل.
وبعد أن أمضى سنوات موظّفاً في شركة «شل» بحيفا، عاد إلى العمل بيديه في مهنته الأولى، التي أصبحت مصدر رزقه الأساسي بعد الرحيل من فلسطين.
منزلنا في «القلاعي»... بيت جديد من حجارة الخيام
كان أوّل ما فكّر فيه والدي بعد عودته هو بناء منزل يؤوي عائلتنا، ويمنحنا شيئاً من الاستقرار بعد سنوات الرحيل والانتقال.
وقد منحه والده قطعة أرض في الحيّ الشرقي من الخيام، في منطقة تُعرف باسم «القلاعي».
وكانت تلك الأرض ذات طبيعة صخرية، الأمر الذي ساعد والدي على استخراج حجارة البناء منها، مستفيداً من خبرته في النحت وتقطيع الصخور وتجهيزها للبناء.
وهكذا بدأ يعدّ العدّة لتشييد منزلنا الجديد، حجراً فوق حجر، معتمداً على جهده وخبرته وما توافر له من إمكانات.
وفي الوقت نفسه، كان يواصل عمله في بناء منازل الآخرين، إذ أخذ أبناء البلدة يقصدونه لتشييد بيوتهم والاستفادة من مهارته في الأعمال الحجرية.
لقد كانت تلك المرحلة بداية جديدة في حياة عائلتنا؛ فبعد أن تركنا منزلنا في بلد الشيخ، بدأ والدي يبني لنا بيتاً آخر في أرض الأجداد، ليكون مأوانا ومستقرّنا.
أربعة أطفال أمام مرحلة تعليمية جديدة
كنّا أربعة أطفال، أكبرهم أنا، وقد سبقنا والدينا في العودة إلى الخيام، حيث أقمنا عند جدّتنا إلى حين وصولهما من فلسطين.
وكان علينا أن نلتحق بالمدارس لمتابعة تعليمنا، بعدما تركنا مدارسنا في بلد الشيخ.
وفي ذلك الوقت، لم يكن في الخيام سوى مدرسة رسمية واحدة، يقتصر التعليم فيها على المرحلة الابتدائية، وتنتهي بالحصول على الشهادة الابتدائية التي كانت تُعرف شعبياً باسم «السرتفيكا».
وكان التعليم في المدرسة الرسمية يعتمد اللغتين العربية والفرنسية، في حين كنّا قد اعتدنا في فلسطين دراسة اللغة العربية إلى جانب اللغة الإنكليزية.
ولم يكن هذا الاختلاف بسيطاً بالنسبة إلى طفل انتقل من نظام تعليمي إلى آخر، بل شكّل تحدّياً جديداً كان علينا التأقلم معه.
مدارس الخيام القديمة... من الكتاتيب إلى المدرسة الرسمية
إلى جانب المدرسة الرسمية، كانت توجد في الخيام آنذاك بعض المدارس الصغيرة والكتاتيب، التي يتولّى التعليم فيها رجال دين أو معلّمون في منازلهم أو في أماكن مخصّصة لذلك.
ومن بينها مدرسة عُرفت باسم «مدرسة أبو عبدو»، من آل عواضة، وكان التعليم فيها يركّز على قراءة القرآن الكريم وتعلّم اللغة العربية.
كما كانت هناك مدرسة أخرى تتّخذ من كنيسة الروم الأرثوذكس مقرّاً لها، وتُدرّس اللغتين العربية والإنكليزية.
وكان يتولّى التعليم فيها أستاذ من بلدة راشيا الفخّار، يُدعى إسبريدون العدس، وقد أمضيت عنده سنة دراسية عندما أرسلنا والدي إلى الخيام عام 1947، بعد أن بدأت بوادر الاضطرابات تظهر في فلسطين.
ولا تزال صورة ذلك المعلّم، وأجواء المدرسة القديمة، حاضرة في ذاكرتي، باعتبارها إحدى محطّات طفولتي الأولى في الخيام.
من الإنكليزية إلى الفرنسية... تجربة في المدرسة الرسمية
في السنة التالية، وبعد عودة والدي من فلسطين واستقرار العائلة في الخيام، كان علينا، أنا وإخوتي، الالتحاق بالمدرسة الرسمية.
وهنا واجهت مشكلة الانتقال من دراسة اللغة الإنكليزية إلى اللغة الفرنسية، التي لم أكن قد تعلّمتها من قبل.
وبعد أن خضعت لاختبارات في اللغات، بإشراف مدير المدرسة آنذاك، الأستاذ علي عبدالله، جرى تصنيفي في الصفّ الثاني الابتدائي، نظراً إلى مستواي الجيّد في اللغة العربية.
أمّا اللغة الفرنسية، فقد كان عليّ أن أبدأ تعلّمها من الصفر، نطقاً وقراءةً وكتابةً.
كانت هذه التجربة واحدة من التحدّيات الصغيرة التي واجهتنا بعد العودة، لكنها أصبحت مع مرور الزمن جزءاً من ذكرياتنا المدرسية، ومن صورة الحياة التعليمية في الخيام خلال تلك المرحلة.
طفولة على وقع الأحداث... صور لم نفهم معانيها
في الخيام، بدأت تتوالى الأحداث، وتتشابك الصور والمشاهد التي كنّا نراها من حولنا، من دون أن نعي حقيقتها أو نفهم أسبابها.
كانت الأوضاع الأمنية والسياسية مضطربة، وكانت أخبار المعارك والشهداء تتردّد بين الناس، فيما تُقام مراسم التشييع ومآتم الشهداء، وتتحوّل إلى تجمّعات كبيرة يشارك فيها أبناء البلدة.
لكنّنا، نحن الأطفال، لم نكن ندرك معنى تلك الأحداث أو خطورة ما يجري حولنا.
فكلّ ما كنّا نراه كان أشبه بشريط سينمائي تمرّ صوره أمام أعيننا، فنختزنها في الذاكرة من دون أن نعرف تفسيرها.
وكأنّ الأحداث كانت ترسم في عقولنا خطوطاً متشابكة وألواناً متداخلة، لا تتّضح معالمها إلا بعد سنوات طويلة.
وحين بلغنا سنّ الرشد، واكتسبنا القدرة على التفكير والتحليل، بدأنا نفهم طبيعة تلك المرحلة، وندرك ما كانت تحمله من أخطار وتحولات سياسية واجتماعية واقتصادية.
كيف كانت الأخبار تصل إلى أهل الخيام؟
في أواخر الأربعينيات ومطلع الخمسينيات من القرن الماضي، كانت وسائل الإعلام والاتصال في الخيام محدودة جداً.
فالصحف لم تكن متوافرة بكثرة، وكانت تصل إلى البلدة بأعداد قليلة، فيما كان جهاز الراديو يُعدّ من المقتنيات النادرة، ولا يتوافر إلا في منازل بعض العائلات الميسورة.
ولذلك، كان الناس يجتمعون في البيوت التي تمتلك أجهزة راديو، للاستماع إلى نشرات الأخبار ومعرفة ما يجري في لبنان وفلسطين والعالم.
وكانت تلك اللقاءات مناسبة لتبادل الآراء والتعليقات، ومناقشة الأخبار والأحداث التي تنقلها الإذاعات.
وهكذا أصبح الراديو، على ندرته، نافذة أهل البلدة على العالم الخارجي، ووسيلة أساسية لمتابعة التطوّرات السياسية والعسكرية.
محلّ بوظة عبدالله حيدر... حين كان للراديو جمهوره
ومن الذكريات الطريفة التي لا تزال حاضرة في ذهني محلّ لبيع البوظة في الخيام، كان يملكه عبدالله حيدر.
وكان في المحلّ جهاز راديو موضوعاً على رفّ مرتفع في الحائط، يجتمع أمامه الأطفال للاستماع إلى الأغاني ومتابعة ما يقدّمه.
وأذكر أنّنا كنّا ندفع لصاحب المحلّ مبلغاً بسيطاً لقاء ذلك، أعتقد أنّه كان «فرنكاً»، أي خمسة قروش لبنانية.
وكان هذا المبلغ، على بساطته، يمنحنا فرصة الاستمتاع بما نسمعه، وربما مشاهدة الصور المعلّقة أو المعروضة في المحلّ، في زمن لم تكن فيه وسائل الترفيه متوافرة كما هي اليوم.
وما أجمل تلك الأيام التي كانت فيها الأشياء الصغيرة مصدر فرح ومتعة للأطفال!
الرسائل والهاتف الوحيد... وسائل التواصل مع العالم
إلى جانب الراديو والصحف، كانت الرسائل البريدية من أهمّوسائل التواصل بين الناس.
وكان ساعي البريد يحمل الرسائل من مرجعيون إلى الخيام وبالعكس، فتصل عبره أخبار الأقارب والأصدقاء والمغتربين.
أمّا الاتصال الهاتفي، فكان محدوداً للغاية، إذ لم يكن في البلدة، على ما أذكر، سوى هاتف واحد يمكن استخدامه للتواصل مع المناطق الأخرى.
وكان هذا الهاتف موجوداً في محلّ السيّد حسن أمين عبدالله التنوخي.
وقد ارتبط هذا المكان في ذاكرتي بحادثة طريفة تعود إلى عام 1950، عندما تقدّمت لامتحانات الشهادة الابتدائية.
«معك فرنك؟ مبروك ناجح!»... ذكرى الشهادة الابتدائية
في عام 1950، تقدّمت لامتحانات الشهادة الابتدائية، التي كانت تُجرى في مدينة النبطية.
وبعد انتهاء الامتحانات، كنّا ننتظر صدور النتائج بفارغ الصبر، شأننا شأن سائر التلاميذ.
ولمعرفة أسماء الناجحين، قصدت محلّ السيّد حسن أمين عبدالله التنوخي، حيث كان الهاتف المتاح للاستعلام عن النتائج.
وأذكر أنّ التلاميذ كانوا يتوافدون إلى المحلّ، وكلّ واحد منهم ينتظر سماع اسمه ومعرفة مصيره في الامتحان.
وكان صاحب المحلّ يسأل التلميذ الناجح:
«معك فرنك؟»
فإذا دفع له الفرنك، قال له مبتسماً: «مبروك... ناجح!»
أمّا التلاميذ الذين لم يحالفهم الحظّ، فكان يخبرهم بأنّ النتائج لم تصدر بعد، حرصاً على مشاعرهم ومعنوياتهم.
وما زلت أستعيد هذه الحادثة بابتسامة، لما فيها من طرافة وعفوية، ولما تعكسه من بساطة الحياة والعلاقات الإنسانية في تلك الأيام.
عالم الأطفال... بعيداً عن هموم الكبار
رغم كلّ ما كان يجري من أحداث سياسية وأمنية واجتماعية، كنّا نحن الأطفال نعيش في عالم مختلف تماماً.
لم تكن تشغلنا أخبار الحروب أو الصراعات أو التحوّلات السياسية، ولم نكن نفهم ما تتناقله الصحف والإذاعات من أخبار.
كان همّنا الوحيد اللعب واللهو وقضاء الوقت مع الأصدقاء، والاستمتاع بالأيام التي تناسب أعمارنا وبراءتنا.
وحتى عندما كنّا نشارك في تشييع جنازات الشهداء القادمين من فلسطين، لم نكن ندرك كيف استشهدوا، أو لماذا دارت المعارك التي أودت بحياتهم.
كنّا نرى الجموع والمواكب ومظاهر الحزن، لكنّنا لم نكن نستوعب المعاني العميقة التي تحملها تلك المشاهد.
ففي عالم الطفولة، تمرّ الأحداث الكبرى من دون أن ندرك حجمها، وتبقى صورها محفوظة في الذاكرة، بانتظار أن نكبر ونفهم.
حين تكشف الذاكرة أسرار الماضي
اليوم، وبعد مرور عشرات السنين، أعود إلى تلك الصور والأحداث التي اختزنتها ذاكرتي منذ الطفولة، فأجد أنّ كثيراً مما كان يبدو غامضاً آنذاك قد أصبح أكثر وضوحاً.
لقد بدأت أفهم الظروف التي دفعت عائلتنا إلى مغادرة فلسطين، والصعوبات التي واجهها والدي في بناء حياة جديدة، وطبيعة الأوضاع التي كانت سائدة في الخيام وجبل عامل خلال أواخر الأربعينيات ومطلع الخمسينيات.
وأدركت أنّ ما كنّا نشاهده بعيون الأطفال كان جزءاً من مرحلة تاريخية مهمّة، تركت آثارها العميقة في حياة أهلنا ومجتمعنا.
وما أرويه اليوم ليس مجرّد حنين إلى أيام الطفولة، بل محاولة لحفظ بعض الصور والحكايات التي عشناها، ونقلها إلى الأجيال الجديدة قبل أن يطويها النسيان.
وفي الحلقات المقبلة، سأحاول استعادة صورة أوسع للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي كانت سائدة في جبل عامل وجنوب لبنان خلال تلك المرحلة.
وإلى لقاء آخر مع صفحة جديدة من ذكريات الماضي وأيام الصبا في الخيام، بكلّ المحبّة والوفاء.
فايز أبو عباس
يتبع: الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية في الخيام وجبل عامل.
الخيام | khiyam.com