فايز أبو عباس: ذكريات من الماضي... أيام الصبا في الخيام (الحلقة الثالثة عشرة)

المربي الأستاذ فايز أبو عباس
المربي الأستاذ فايز أبو عباس


الأوضاع السياسية والاجتماعية في جبل عامل أواخر الأربعينيات ومطلع الخمسينيات من القرن الماضي


في هذه الحلقة، ننتقل من ذكريات الطفولة والحياة اليومية في الخيام إلى استعادة المشهد السياسي والاجتماعي في جبل عامل، خلال مرحلة أعقبت استقلال لبنان وشهدت تحوّلات في موازين القوى والنفوذ، في وقت كانت فيه الزعامات العائلية التقليدية تتحكّم بجانب كبير من الحياة السياسية في الجنوب اللبناني.

ومن خلال هذه القراءة، نستعرض أبرز العائلات والشخصيات التي توزّع نفوذها بين الزهراني وصور والنبطية وبنت جبيل والخيام، وصولاً إلى بيت الأسعد في الطيبة، الذي كان يتمتّع بنفوذ واسع في جبل عامل.


لبنان بعد الاستقلال... تبدّل النفوذ والتحالفات

في أواخر الأربعينيات ومطلع الخمسينيات من القرن الماضي، كان لبنان قد دخل مرحلة جديدة من تاريخه السياسي، بعد نيله الاستقلال عن فرنسا عام 1943، وجلاء القوات الفرنسية عن أراضيه عام 1946.

ومع انتهاء الانتداب الفرنسي، بدأت تظهر تحوّلات سياسية جديدة، أخذ معها النفوذ الفرنسي يتراجع تدريجياً، لمصلحة نفوذ بريطاني وأميركي متزايد، ولا سيّما بعد انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية.

وقد انعكست هذه التحوّلات على الحياة السياسية اللبنانية، وعلى طبيعة التحالفات والولاءات بين الشخصيات والعائلات السياسية.

فقد ارتبط اسم الرئيس إميل إدّه بالتيار السياسي الأقرب إلى فرنسا، في حين برز الرئيس بشارة الخوري ورئيس الحكومة رياض الصلح ضمن الاتجاه الذي استفاد من الدعم البريطاني لمسار الاستقلال، قبل أن تتطوّر العلاقات اللبنانية مع القوى الغربية الأخرى.

وفي ظلّ هذا التنافس على النفوذ، راحت القوى السياسية اللبنانية تعيد ترتيب مواقعها وتحالفاتها، بما يتلاءم مع موازين القوى الجديدة في المنطقة.

ولكن، وسط هذه التحوّلات، كيف كانت الأوضاع السياسية في جبل عامل؟ ومن كان يتحكّم بمفاصل السلطة والنفوذ في بلداته وقراه؟


جبل عامل... زعامات عائلية متوارثة

كانت الحياة السياسية في جبل عامل، خلال تلك المرحلة، تقوم إلى حدّ كبير على نفوذ العائلات التقليدية التي توارثت الزعامة منذ العهد العثماني، واستمرّ حضورها خلال الانتداب الفرنسي، ثم بعد استقلال لبنان.

وقد اعتمدت سلطات الانتداب، في جانب من سياستها، على استمالة هذه العائلات وكسب ولائها، لما كانت تتمتّع به من تأثير اجتماعي وسياسي في محيطها.

وكان منح بعض رموزها مواقع إدارية أو سياسية، وتعزيز صلاتها بمراكز السلطة، من الوسائل التي ساعدت على ترسيخ نفوذها واستمرار زعامتها.

وهكذا نشأت خريطة من الولاءات العائلية والمناطقية، توزّعت على امتداد جبل عامل، بحيث ارتبطت كلّ منطقة تقريباً ببيت سياسي نافذ، يمثّلها في البرلمان أو يتولّى الدفاع عن مصالحها لدى الدولة.


الزهراني... نفوذ آل عسيران وحضور عادل عسيران

في منطقة الزهراني، الممتدّة من جنوب صيدا على طول الساحل الجنوبي وصولاً إلى مصبّ نهر القاسمية، كان النفوذ السياسي الأبرز لآل عسيران.

وكان يمثّل هذه العائلة في الحياة البرلمانية والسياسية عادل عسيران، الذي عُرف بثقافته واطّلاعه، وبعلاقاته الواسعة مع أبناء المنطقة واهتمامه بشؤونهم ومشكلاتهم.

وقد تمكّن من ترسيخ مكانته السياسية، رغم وجود ولاءات عائلية ومحلية أخرى لم تكن، في تلك المرحلة، قادرة على منافسة نفوذ آل عسيران بصورة جدّية.

وتولّى عادل عسيران رئاسة مجلس النواب اللبناني، كما شغل مناصب وزارية في مراحل مختلفة من حياته السياسية.

ومن المفيد التذكير هنا بأنّ رئاسة مجلس النواب، قبل التعديلات الدستورية التي أعقبت اتفاق الطائف، لم تكن مرتبطة بولاية المجلس النيابي كاملة كما هي الحال اليوم، بل كانت تُجدّد وفق الأحكام الدستورية المعمول بها آنذاك.

وبعد تعديلات عام 1990، أصبح رئيس مجلس النواب يُنتخب لمدّة ولاية المجلس، أي أربع سنوات، مع إمكان سحب الثقة منه مرّة واحدة بعد مرور سنتين، وفق شروط دستورية محدّدة، أبرزها طلب يوقّعه عشرة نواب على الأقل، وموافقة ثلثَي أعضاء المجلس.

ولم تُستخدم هذه الآلية لإقالة رئيس مجلس النواب منذ إقرارها.


صور... آل الخليل وزعامة كاظم الخليل

أمّا في مدينة صور ومحيطها، فقد كانت الزعامة السياسية الأبرز لآل الخليل، الذين مثّلهم في تلك المرحلة كاظم الخليل.

وكان كاظم الخليل يتمتّع بحضور سياسي واسع، وقد عُرف بعلاقته الوثيقة بالرئيس كميل شمعون، الذي تولّى رئاسة الجمهورية اللبنانية بين عامَي 1952 و1958.

وكان شمعون يميل في سياسته الخارجية إلى تعزيز علاقات لبنان مع الدول الغربية، ولا سيّما بريطانيا والولايات المتحدة.

وقد شهد عهده أزمة سياسية حادّة بلغت ذروتها في أحداث عام 1958، في ظلّ الانقسام الداخلي بشأن سياسة لبنان الخارجية، وتصاعد التيار القومي العربي بقيادة الرئيس المصري جمال عبد الناصر.

وكانت تلك المرحلة قد شهدت قيام حلف بغداد عام 1955، واشتداد التنافس بين الدول العربية المؤيّدة للتحالفات الغربية وتلك التي تبنّت التوجّه القومي العربي.

ثم جاءت الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958، لتزيد من حدّة الاستقطاب السياسي في لبنان والمنطقة.

وفي هذه الأجواء، برز كاظم الخليل أحد الوجوه السياسية المتحالفة مع الرئيس شمعون، وكان لهذا التحالف أثره في موقعه السياسي ضمن مدينة صور والجنوب اللبناني.


النبطية... آل الزين وصلاتهم ببيت الأسعد

في النبطية والقرى المجاورة، كانت الزعامة السياسية لآل الزين، الذين ارتبطوا بعلاقات وتنسيق مستمرّ مع بيت الأسعد في الطيبة.

وكان أبرز وجوه هذه العائلة يوسف الزين، ابن بلدة كفررمان، الذي تمتّع بنفوذ سياسي واجتماعي واسع في النبطية ومحيطها.

وقد استطاع ترسيخ حضور عائلته في الحياة العامة، وانتقل هذا النفوذ لاحقاً إلى أبنائه، ومن بينهم عبد الكريم الزين وعبد المجيد الزين.

وكانت علاقة آل الزين ببيت الأسعد تمثّل جانباً من شبكة التحالفات السياسية التي ربطت العائلات النافذة في جبل عامل، وساعدت على استمرار حضورها في الحياة النيابية والإدارية.


بنت جبيل... آل بزي وتحالفهم مع آل الأسعد

أمّا في بنت جبيل ومحيطها، فقد برزت عائلة آل بزي، ممثّلة بالزعيم السياسي علي بزي، الذي تولّى تمثيل المنطقة وكان يتمتّع بنفوذ ملحوظ بين أبنائها.

ورغم وجود عائلات أخرى ذات مكانة اجتماعية وتاريخية، ومنها آل بيضون، فإنّ آل بزي كانوا أصحاب الحضور السياسي الأبرز في تلك المرحلة.

وقد ارتبطت هذه العائلة بتحالفات وثيقة مع بيت الأسعد، ولا سيّما مع أحمد الأسعد، في إطار التوازنات السياسية التي كانت تحكم العلاقات بين الزعامات التقليدية في جبل عامل.

وساهمت هذه التحالفات في تعزيز موقع آل بزي واستمرار نفوذهم السياسي في بنت جبيل والقرى المجاورة.


الخيام... زعامة آل عبدالله وأبو سطام

وفي بلدتنا الخيام، كانت الزعامة السياسية المحلية لآل عبدالله، الذين تولّوا تمثيل المنطقة في الحياة النيابية.

وكان أبرز وجوه هذه العائلة في تلك المرحلة أبو سطام علي العبدالله، الذي مثّل الخيام ومحيطها في البرلمان اللبناني.

وقد ارتبط اسم هذه العائلة بالحياة السياسية والاجتماعية في البلدة، وكان لها حضورها في العلاقات بين الأهالي والسلطات الرسمية، وفي شبكة التحالفات التي كانت قائمة بين الزعامات الجنوبية.

غير أنّ المشهد السياسي في الخيام لم يكن منفصلاً عن الواقع العام في جبل عامل، حيث كانت العائلات المحلية تتأثّر بنفوذ الزعامات الكبرى، وفي مقدّمها بيت الأسعد في الطيبة.


بيت الأسعد في الطيبة... الزعامة الأقوى في جبل عامل

إذا كانت الزعامات العائلية موزّعة بين مناطق جبل عامل، فإنّ بيت الأسعد، المعروف أيضاً باسم «بيت الطيبة»، كان يُعدّ من أبرز البيوت السياسية وأكثرها نفوذاً وتأثيراً على مستوى الجنوب.

وقد امتدّ هذا النفوذ إلى عدد كبير من القرى والبلدات، مستنداً إلى تاريخ طويل من الزعامة العائلية، وإلى شبكة واسعة من العلاقات والتحالفات والولاءات.

وكان أحمد الأسعد من أبرز الشخصيات التي مثّلت هذه الزعامة خلال المرحلة التي نتحدّث عنها.

وبحسب ما بقي في ذاكرتي من أحاديث الأهالي وما عرفته لاحقاً عن تلك الحقبة، فإنّ بيت الأسعد لم يكن يعتمد في تثبيت نفوذه على التحالفات السياسية وحدها، بل كان يستند أيضاً إلى شبكة من المحاسيب والأتباع المنتشرين في القرى والبلدات.

وكان هؤلاء يؤدّون دوراً أساسياً في تعزيز سلطة الزعيم، ومراقبة مواقف الأهالي وولاءاتهم، والتأثير في علاقاتهم بمراكز القرار.


بين الترغيب والترهيب... كيف كانت تُمارَس الزعامة؟

لم تكن الزعامة التقليدية، كما عرفها أهل تلك المرحلة، مجرّد تمثيل سياسي أو نيابي، بل كانت في كثير من الأحيان سلطة اجتماعية واسعة، يتداخل فيها النفوذ السياسي مع العلاقات الشخصية والمصالح اليومية للسكان.

ومن الأساليب التي كانت تُنسب إلى بعض أتباع الزعامات ممارسة الترغيب والترهيب، بهدف ضمان استمرار الولاء للزعيم ومنع الخروج عن طاعته.

وقد تناقل الأهالي روايات عن تعدّيات كانت تُمارَس بحقّ بعض السكان، شملت سرقة المواشي، وقطع الطرقات، والتحرّش بالأهالي، والاعتداء على الممتلكات، وممارسة أشكال من البلطجة والتخويف.

وكانت هذه الأعمال، وفق ما يُروى عن تلك المرحلة، تُستخدم أحياناً وسيلةً للضغط على الأفراد والعائلات، ولا سيّما الذين كانوا يحاولون الاستقلال بمواقفهم أو الابتعاد عن نفوذ الزعيم.

واللافت في هذه الروايات أنّ المتضرّر من الاعتداء كان يجد نفسه مضطرّاً إلى اللجوء إلى الزعيم نفسه، طالباً حمايته وإنصافه.

وهنا كان الزعيم يستدعي المعتدي، ويؤنّبه أمام صاحب الشكوى، ويأمره بالكفّ عن التعدّي.

وبذلك يظهر الزعيم بمظهر الحامي والمنصف، فيما تبقى شبكة النفوذ التي سمحت بوقوع الاعتداء قائمة.

وكان من شأن هذا الأسلوب، إذا صحّت الروايات المتداولة عنه، أن يعزّز اعتماد الأهالي على الزعيم، ويجعلهم يشعرون بأنّ حمايتهم ومصالحهم مرتبطة برضاه وتدخّله.

وهكذا تتحوّل الحاجة إلى الأمان وحلّ النزاعات إلى وسيلة لترسيخ الولاء السياسي والاجتماعي.


الخيام وبيت الأسعد... ماذا جرى في بلدتنا؟

بعد هذا العرض لخريطة الزعامات السياسية في جبل عامل، وللأساليب التي نُسبت إلى بعض أصحاب النفوذ في إدارة علاقاتهم بالأهالي، نصل إلى السؤال الذي يعنينا بصورة مباشرة:

كيف انعكست هذه السياسة على بلدتنا الخيام؟

وهل استطاع بيت الأسعد، من خلال أتباعه ومحاسيبه، فرض نفوذه على أهل البلدة بالطريقة نفسها التي كانت تُروى عن بعض المناطق الأخرى؟

وكيف تعامل أبناء الخيام مع هذه الممارسات؟ وهل خضعوا لها، أم كانت لهم مواقف مختلفة؟

وما الأحداث التي شهدتها البلدة نتيجة هذا الصراع على النفوذ والزعامة؟

هذه الأسئلة، وما يرتبط بها من وقائع وشخصيات وذكريات، ستكون موضوع الحلقة المقبلة، التي سأحاول فيها استعادة جانب من الحياة السياسية والاجتماعية في الخيام خلال تلك المرحلة، كما عشت بعض ملامحها وسمعت تفاصيل أخرى من أهلنا وكبار السنّ.


فالتاريخ ليس مجرّد أسماء زعماء ومناصب وسلطات، بل هو أيضاً حكايات الناس العاديين، وما عاشوه من معاناة وتحدّيات ومواقف تركت آثارها في ذاكرة الأجيال.

وإلى لقاء جديد مع صفحة أخرى من ذكريات الماضي وأيام الصبا في الخيام.

فايز أبو عباس

يتبع: كيف حاول بيت الأسعد فرض نفوذه على الخيام، وماذا كانت النتيجة؟