حمدي قنديل: قلم الرصاص ينكأ جراح «أمّة مهنّد»!

حمدي قنديل
حمدي قنديل


أنتم تنتظرون سماع حكاية مثيرة، عن ملاحقات واعتقالات وربما منافٍ أو سجون. أنتم تنتظرون مثلي حكايات لا وجود لها. لم يعش حمدي قنديل مأساةً مع حريته، وهذا لم يكن نتيجة عبقريّة شخصية فذّة، بل نتاج رصانة ذهنيّة، ونمط حياة من الطراز الرفيع فكرياً وسياسياً ومهنيّاً. حياته الخاصة خالية من «الخضّات»، سارت كقصة مثاليّة لرجل هانئ، يعيش دليلاً على أنّ عطايا الحظ الجيد لا تقلّ تأثيراًَ عن محن الحظ العاثر.

طلبنا منه أن يروي لنا حكاية الفتى منذ بدأ شاربه في الظهور حتى غزا شعره الشيب، فوجدنا أنّ مجرى قدره الخاص متقاطع مع قدر جيلٍ كاملٍ، كثيراً ما سمعناه يسمّي نفسه جيل الهزيمة ـــــ كأنّه انفرد بها وكأن الأجيال الأخرى عاصرت أيّ انتصاراتٍ حتى يومنا هذا!

البداية من اللحظة الراهنة، من «قلم رصاص». برنامجه الذي قدمه طوال أربع سنوات ونصف سنة على قناة «دبي» الفضائية، لن يعود إلى الشاشة، كما بات معلوماً... فـ «هناك أمور يعني إيقافها أنّها انتهت». قنديل كعادته، كان مستعداً للرحيل في أيّ لحظة بعدما «تنغنغ» بحريّة غير مسبوقة. إذ لم يمنع له حرفٌ واحد طوال تلك السنوات. لكن لكلِّ أجلٍ كتاب، ويبدو أنّ الساهرين على حرية «قلم رصاص» قرّروا أن يرضخوا للضغوط الأخيرة. ألم ينعت الإعلامي اللاذع الأمّة العربيّة، ذات مساء، بأنّها «أمّة مهنّد» في إشارة إلى الهستيريا التي خلقها المسلسل التركي الشهير؟

«طيب وحتعمل إيه؟» «أنا ما انكسرتش». ينفض الرجل السبعيني الغبار عن حلم قديم اسمه «الشرق»، وهو تأسيس قناة فضائية بتمويل حرّ، قد يكون اكتتاباً عاماً من الناس، أو رؤوس أموال متساوية من مصادر عدّة. «ما زالت السذاجة موجودة عندي والحمد لله، والوضع العربي بيقول إنّي لازم أتكلم».

يعود الفضل في إرهاصات هذا الحلم إلى سنوات باريس العشر (1977 ــــ 1988)، فقد أقام قنديل في العاصمة الفرنسيّة خلال عمله في الأونيسكو، مديراً لـ«التداول الحرّ لمعلومات وسياسات الاقتصاد». بفضل تلك السنوات، تحوّل إلى خبير في الإعلام الفضائي، وقرّر مع أصدقاء عرب وأوروبيين إطلاق فضائيّة عربيّة. بدأوا دراسة الجدوى (1989)، وسُجّلت «شركة الشرق للاتصالات الفضائية»، وكان يلزمها عشرة ملايين دولار لتنطلق. انهالت العروض من رجال الأعمال والحكومات أيضاً، كلٌّ يحاول استقطاب الشركة لناحيته، ما يناقض الهدف الحرّ الذي أُنشئت من أجله. شيئاً فشيئاً، فقدَ أصحاب المبادرة الأمل، وبيعت الشركة إلى الشيخ صالح كامل الذي أسهم في تأسيس mbc.

«الشيخ صالح اشترى المحطة واشتراني معاها». أصبح قنديل أول مدير لـ «أم. بي. سي.» لثلاثة أشهر فقط، حتى أصدر الديوان الملكي السعودي قراراً بأن يغادر صاحبنا. تردد يومذاك أن قنديل كان لاذعاً بحقّ الملك فيصل، ويهاجم النظام السعودي.

عاد قنديل إلى مصر، ومرّ كثير من الوقت قبل أن يعود إلى حضن فضائيات صالح كامل مرةً أخرى، مع مجموعة «راديو وتلفزيون العرب» (آي. آر. تي)، إذ عُيِّن مديراً للشؤون المالية والإدارية! بعد ثلاثة أعوام، ضجر الإعلامي المشاكس فخاض مغامرة غير محسوبة العواقب، بتحريض من كامل. إذ أطلق عام 1996 ــــ بعد انقطاع طويل عن الشاشة ــــ برنامج «مع حمدي قنديل»، انتهى بحديث مفتوح مع الرئيس الليبي معمر القذافي، استمر ثلاث ساعات ونصف ولم يعجب «الجماعة».

هكذا عاد إلى التلفزيون المصري، وكان قد غادره شاباً بعد وفاة جمال عبد الناصر مباشرةً. شرع في برنامجه «رئيس التحرير» على قناة مصر الأولى. واستمر البرنامج حتى الحرب على العراق 2003. ومع اقتراب العدوان ظهر جليّاً التناقض بين ما يؤمن به قنديل والخط الحكومي المصري، فقدّم الحلقة التي عرف أنّها الأخيرة وغادر.

لو حاولنا العثور على وصف مناسب لسنوات قنديل الأولى، لقلنا إنّها نموذج للحريّة الفرديّة. ترعرع قنديل في منزل أسرة نموذجية من الطبقة المتوسطة، وفي كنف أبٍ مثقف يعمل ناظر مدرسة وأم متعلّمة. مراهقاً، كان يقوم برحلة صيفيّة سنويّة على مركب «ديك»، حيث كان والده يدسّ في جيبه 50 جنيهاً استرلينياً ويصطحبه إلى اليخت الصغير، قائلاً له: «لا تعد قبل شهر يا بني». على المركب، تنقل الشاب بين أجمل عواصم أوروبا. لم يُحرم من ممارسة أيّ هواية، وحين كان يسمع عن مساوئ الشيوعيّة، كان والده يحرّضه قائلاً إنّ الشيوعيّة هي العدالة الاجتماعية. في الكشّافة، كان المشرف يعلمّه عن الأديان المختلفة، ويصطحبه في جولات طويلة إلى الصحراء. بعد ثلاثة أعوام من دراسة الطبّ، قرّر أن يعمل في الصحافة. هكذا، انضمّ إلى مجلة «آخر ساعة» بناءً على طلب الصحافي الكبير مصطفى أمين، وبدأ صحافياً ينشر رسائل القراء بـ 15 جنيهاً في الشهر (1951). تزوج ثلاث مرات، ورفيقة دربه منذ 16 عاماً هي النجمة نجلاء فتحي. لم ينجب أطفالاً ويقول إنّ الأمر لا يشغله كثيراً. أمّا النساء الثلاث اللواتي عبرن حياته، فكلهن جميلات في نظره، ولكل واحدة خصوصية أحبَّها، وسنوات جميلة قضاها معها.

هذا هو ابن الحرية، لهذا تستغرب حين تسمعه يبرّر ممارسات ثورة يوليو ضد الحريّات، بحجة «وجود أعداء للثورة». صاحب برنامج «أقوال الصحف» (1960) لم ينتقد ثورته الحبيبة بهذا الصدد أبداً، في الوقت الذي لم يتردد في انتقاد أمورٍ اقتصادية مثلاً. يدهشنا قوله إنّه لم يكن ناصرياً، رغم تعلّقه الشديد بجمال عبد الناصر. كان قنديل من أنصار محمد نجيب «الديموقراطي»، بينما كان «عبد الناصر يصوَّر لنا على أنّه يمسك الحكم بقبضة من حديد».

يقول قنديل هذا، وهو مدركٌ تماماً أنّ الآلة الإعلاميّة والعسكريّة المصريّة ضلّلت الجماهير بعد هزيمة 67. حينها، كان قنديل جزءاً من ذلك النسيج الإعلامي، وكان ممّن شاهدوا القصف على قاعدة فايد في 5 حزيران (يونيو). بعد عودته من هناك، أطلّ على الجماهير بوجه بائس، ثمّ خاطبهم في نشرة لاحقة بنبرة أحمد سعيد ــــ أشهر مذيعي الخمسينيات والستينيات في إذاعة «صوت العرب» ــــ قارئاً بيانات النصر التي أملاها عليه وزير الإعلام آنذاك محمد فايق. «كان الوزير مضللاً مثلنا، عبد الناصر نفسه كان مضللاً وكان هذا خطأً كبيراً في حقّه». ويوم خطاب تنحي عبد الناصر الشهير، كان قنديل ورفاقه في استوديو الأخبار يحاججون موقف «الريّس» من دون أن يتنبّهوا إلى أنّ الهواء مفتوح، وأنّ الجماهير تسمع. هذه الحادثة أثارت الناس وأخرجتهم من بيوتهم يطالبون عبد الناصر بالبقاء.

لن تكفي هذه السطور لسرد قصص وأحلام عن الإعلام العربي وعلاقته بالسياسة. إذ يمكن لقنديل أن يمكث ساعات يحدثك في مسألة هو العالِم بخفاياها. أليست المعرفة رسولة الشقاء في حالة قنديل؟ لقد أرغمه خياره الحرّ، أن يكون إعلامياً من النوع المماحك والشرس، وأن يغدو شاهداً مخذولاً على عصر طويل من الانحطاط العربي، تقابله نهضة وهجمة إعلامية فضائية منظّمة. «ما عنديش أمل في الواقع العربي، ولا أؤمن بالمصالحات الزائفة لأن القواعد متناقضة تماماً، أفضل المواجهة والصدام الواضحين».

5 تواريخ

1936

الولادة في طنطا (مصر)

1951

ترك كلية الطب والتحق بالعمل في مجلة «آخر ساعة» مع مصطفى أمين

1960

عمل في «تلفزيون مصر» مذيعاً للأخبار ومقدماً لبرنامج سياسي بعنوان «أقوال الصحف»

1988

استقال من منصبه في الأونيسكو بسبب فقدان الحماسة في العمل، واتجه نحو تأسيس قناة فضائية عربية

2009

استعاد حلمه القديم بتأسيس فضائيّة عربيّة مستقلّة، بعدما أوقفت إدارة قناة «دبي» الفضائية عرض برنامجه «قلم رصاص»

تعليقات: