أهالي الضاحية الجنوبية: أيـن الكهـربـاء؟

تعترض على انقطاع التيار الكهربائي وخلفها الاطارات المشتعلة
تعترض على انقطاع التيار الكهربائي وخلفها الاطارات المشتعلة


اسودت وجوه عناصر قوى الأمن الداخلي الذين انهمكوا في تنظيم السير. بين العناصر وقف شاب عشريني يدفع الحجر الكبير برجله من أجل أن يفتح الطريق. ظنه العناصر يحاول أن يقطعها مجدداً، وعندما أيقنوا هدفه، تظاهروا بأنهم لا يرونه.

فوق هذا المشهد كان الدخان الأسود المنبعث من الإطارات المشتعلة يملأ سماء طريق المطار القديم. وقبله بساعتين نزل الأهالي وأشعلوا الإطارات عند المفترق المقابل لمطعم KFC ومجمع الإمام الصادق الثقافي، وعند شارعين قريبين منهما. للأهالي مطلب واحد عنوانه الكهرباء. والزوايا الثلاث المشتعلة كانت كافية لتعطيل حركة السير عند هذا الشريان الأساسي ما سبب ازدحاماً في المناطق المحيطة للطريق وصلت صرخته إلى منطقة شاتيلا.

الشاب العشريني الذي يتفرج على الإطارات المحترقة يقول إنه كان من أنصار المعارضة، لكن، بعدما اتفق زعماؤها مع نظرائهم في الموالاة، قرر أن يصبح «ضد الجميع». تصل دورية من فوج التدخل. يعلق مواطن ساخراً: «المغاوير آخر من يعلم». وعناصر قوى الأمن الداخلي لا يهدأون. أحدهم يظل يصرخ «قرّب» طوال الوقت للسيارات العابرة. بعد قليل سيستعمل عبارات لا تليق بالبزة التي يلبسها. وعناصر الأمن الداخلي لم يتدخلوا بتاتاً بالمعترضين على انقطاع الكهرباء، يقول شاب من الذين وصلوا إلى مكان حرق الإطارات باكراً أن عناصر من أمن «حزب الله» وأمن «حركة أمل» هي التي فرقت الحشود الغاضبة.

عباس مواطن عادي. سائق عمومي. والد لثلاثة أبناء، كبيرهم في السابعة عشرة طالب في الثانوي الثاني، صغيرتهم في السابعة، وبينهما مراهق في الثانية عشرة. يعيش عباس في منطقة بئر حسن، في الأحياء الفقيرة. يقول انه لم ير نور الكهرباء منذ ثلاثة أيام بالضبط. يستند عباس صاحب الذقن الطويلة على عمود للكهرباء المقطوعة طوال الوقت ويكمل روايته: «بعض الناس لديها اشتراكات وأكثر من ثلاثة أرباعها لا تملك ثمن اللقمة. عدنا إلى زمن الشمعة والسراج. أتتذكر السراج؟ الذين أشعلوا النيران هم أبناء المنطقة. لا أحد غريباً بينهم. بدأت فترة الامتحانات. ابني البكر يبدأ بالدرس عندما يصل من المدرسة مباشرة ليستفيد من ضوء النهار وعندما يهبط الليل يلجأ مع شقيقه إلى غرفة عمهما الذي يعمل ناطوراً في إحدى البنايات التي يتواجد فيها مولد كهربائي». يبلع ريقه، يمسح عرق جبينه بكف يده، ويتابع: «عندما أفيق ليلاً أتفرج على أبنائي والعرق الذي «يزخّ» من ثلاثتهم. لا نستطيع أن نفتح الشبابيك. محيطنا كله غريب، يعج بالعمال الأجانب. ولا مروحة لأن لا كهرباء..» وفي النهاية يعترف: «لا تسجّل. كنت أشعل النار معهم..».

وعباس ليس وحده من أشعل النيران. العديدون ممن قاموا بهذا الأمر ضاعوا بين جمهور المتفرجين.

كان قد مر نحو الساعتين من الوقت عندما وصل الجيش. قامت عناصره بإزاحة النيران المشتعلة من وسط الطريق إلى جنباتها.

يرفع شاب مراهق صوته متحدياً. يقول إن لا كهرباء ولا اشتراك مولد في المنطقة، وأن ثمن صفيحة البنزين بات مرتفعاً.. و«شو بيعمل المعتر؟» ينظر إليه صديقه نظرة تعجب ويجيبه: «ما زال ينقصك أن تصرخ وينييّ الدولة؟ (أسوة بالاسكتش الكوميدي الشهير) قبل أن ينهره: «توقف عن الولولة. تقول لأمك انك في المدرسة وها أنت هنا تشعل الإطارات».

تباعاً ستخمد النار المشتعلة بعد أن وصلت آلية إطفاء تابعة لعمليات حارة حريك، لكن الازدحام على طريق المطار القديم وتفرعاته سيطول. في وسط هذا الازدحام كان سائق التاكسي، على بساطته، يطلق عبارة ذات دلالات عدة: «هذه أصعب مرحلة التي نحن فيها.. نعيش في واقع نرفضه جميعاً».

تعليقات: