التبرع بالأعضاء من وجهة نظر شرعية


مع تقدم العلم وتطوره، أثيرت بقوة بعض العناوين، منها مسألة زرع الأعضاء، ووهبها، ونقلها من جثة الإنسان الميت أو جسد الحي، إلى جسد إنسان آخر. وقد كان لنظرة المجتمع وقيمه دور في إباحة هذا الموضوع أو عدمه، وربما كان للموارد التي ترخص فيها هذه القضية شأنها في هذا المجال. ونظراً إلى التعقيدات التي تلف هذا الموضوع، رأينا أن نتلمّس بعض الإضاءات على هذه النواحي من وجهة نظر سماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله(رض)، وعرض أوجه الاختلاف بين النظرة الإسلامية وغير الإسلامية.

نظرة الإسلام إلى الميت

تفاوتت النظرة إلى الميت بين الغرب وواقعنا المشرقي، ما انعكس على كيفية التعامل مع الإنسان، ميتاً أو حياً، في مسألة زرع الأعضاء ووهبها، وأثار الكثير من التساؤلات، ولا سيما على الصعيد الفقهي، فمن الفقهاء من أجاز هذه العملية، ومنهم من تحفَّظ عنها، وأنّه هل يجوز زرعها ووهبها بإذن صاحبها أو بدونه، بوصية أو بغير وصية، وما إلى ذلك من الأسئلة التي طرحت في هذا المجال، حيث يقول سماحته: "هذه المسألة لا تزال تتحرك في مجالات البحث الفقهي. وفي الإسلام، هناك احترام لجسد الميت، كما هناك احترام لحياته، وحرمة المؤمن ميتاً كحرمته حياً. ولذلك، فرضت في الإسلام دية على قطع الأعضاء والتمثيل بالميت، تماماً كما هناك دية على قطع أعضاء الحي أو قتله، هذا في الدائرة الإسلامية. أما في الدوائر غير الإسلامية، فقد لا يكون هذا المفهوم حيوياً في الجانب الفقهي، ولا سيما أن بعض الأديان لا تملك نظاماً فقهياً.

من هنا، فإن الإسلام يتعامل مع الآخرين الذين لا يعتبرون تشريح جسد الميت قيمةً مضادة أو هتكاً لحرمته أو ما إلى ذلك، يتعامل معهم على أساس أنه لا يقف عثرة في هذا الموضوع، بل يجيز حتى للطبيب المسلم تشريح أعضاء من ليسوا بمسلمين، لا انتقاصاً منهم، ولكن لأن في الإسلام قاعدة في التعامل مع الأديان الأخرى: "ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم"، و"جائز على أهل كل ذي دين ما يدينون به". وهذه هي نقطة انفتاح في الإسلام، لأن للإسلام قوانين ونظماً، وللأديان الأخرى قوانين ونظماً. إنك في تعاملك مع الآخرين، إذا أردت أن تتعامل من خلال قوانينك فحسب وللآخرين قوانين أخرى، فستصل إلى طريق مسدود، ولكن الإسلام يقول لك: "جائز على أهل كل ذي دين ما يدينون به".

ولذلك، أمضى الإسلام الخطوط العامة التي لا تختلف ولا تتنافى بشكل مباشر مع الأديان الأخرى. كما أننا نجد للإسلام قوانينه في الزواج، ولكنه يمضي زواج الآخرين: "لكل قومٍ نكاحٌ يحتجزون به عن الزنا"، فهو يعطيه شرعية.

ولذلك، بالنظر إلى الآخرين الذين لا يرون تشريح الجثة مخالفاً للقيم الأخلاقية، بل يرونه أمراً طبيعياً، فإن الإسلام يعاملهم بحسب التزاماتهم في هذا المجال، ولذلك، يجيز للطبيب المسلم أن يُشرّح، وأن يأخذ من الأعضاء إذا كان هذا جائزاً عندهم. أما بالنسبة إلى الميت المسلم، فحيث إن هناك قيمة معينة في مسألة احترام الجسد، فإنه من حيث المبدأ لا يجوز التشريح وانتزاع الأعضاء"(1).

"لكن هناك بعض الآراء التي يمكن لها أن تفتح باب الترخيص في هذا المجال، ومفادها أنه عندما يكون هناك ضرورة في مستوى حفظ الحياة لإنسان حي، تتوقف على أن نأخذ عضواً من أعضاء الميت، مما يمكن لنا أن نزرعه في جسد هذا الإنسان، فإن الكثير من الفقهاء يجيزون ذلك. وبعضهم قد يتحدث عن دية، وبعضهم يقول إن كل مشروع لا دية فيه، يعني كل شيء شرعي لا دية فيه، إلا أن هناك تحفظات لبعض الفقهاء على هذا الرأي.

وينطلق هذا الترخيص من قبل بعض الفقهاء، ونحن منهم، بناءً على القاعدة الأصولية المسماة "التزاحم" في المذهب الإمامي، وقد تسمى "المصالح المرسلة" في مذهب المسلمين السنّة، وهي أنّه إذا وقفنا أمام أمرين؛ أحدهما يشتمل على مفسدة والآخر على مصلحة، ولا يمكن لنا أن نجمع بينهما، ففي مثل هذه الحالة، لا بدّ من أن نوازن لنحدد الحكم الشرعي النهائي: المفسدة تقول حرام، والمصلحة تقول حلال، وهناك تنافٍ بينهما، ولا بد من أن نختار أحدهما لنتحرك؛ فإذا كانت المفسدة أقوى من المصلحة، بحيث تغلب المفسدة المصلحة، فتكون النتيجة عندئذ التحريم، وإذا كانت المصلحة أقوى من المفسدة، فإن النتيجة هي الحلّية، وقد تكون الوجوب. وقد يضرب هذا المثل في بعض الحالات، أنه إذا كان هناك غريق في النهر، وتوقّف إنقاذه على أن تكسر باباً أو تهدّم غرفة، لتستطيع أن تنفذ من أقرب طريق إلى الغريق قبل أن يهلك؛ في هذه الحال، يجب إنقاذ الغريق، ولكن يحرم أن تهدّم بيت الغير، وإذا وازنَّا بينهما، فإننا نجد ـ حسب الذهنية الفقهية ـ أن إنقاذ الغريق أهمّ، لأنّ إنقاذ الإنسان أهم من الحجر، عند ذلك، يمكن أن نقول: حطّم البيت، اكسر الباب، وأنقذ الغريق، وهكذا في كل الحالات"(2).

"هنا، نقول إن السنّة الشريفة ذكرت أن للجسد احترامه، لكن إذا دار الأمر بين أن يعطى هذا الميت الاحترام المعنوي الذي لا يقدّم ولا يؤخر بالنسبة إليه شيئاً، وبين أن ننقذ حياة إنسان، فإن من الطبيعي أن إنقاذ حياة الإنسان الذي يمكن أن يموت لو لم نعطه هذا العضو، هو أهم في نظر الشرع من أن تحفظ حرمة هذا الميت، هذا لا إشكال فيه عند الفقهاء، لذا، فإنه إذا ما توقف إنقاذ حياة الإنسان على أن نأخذ أي عضو من أعضاء الميت، فإنه يجوز"(3).

"وفي الحالة الثانية، كما لو كان لنقل عضوٍ من الميّت أثر في توازن حياة إنسان لا في حياته، كأخذ عين من الميّت أو أيّ عضو آخر لزرعه في جسد الإنسان الحي، فإن هناك تحفظات لبعض الفقهاء حول هذه المسألة، ولكننا مع فقهاء آخرين، نجد أن المصلحة في هذا المجال، هي توازن حياة هذا الإنسان الحي ليعيش بطريقة أفضل، وهو أكثر أهميةً من الإساءة إلى هذا الميت في جانب معنوي لا علاقة له به. لذلك، نحن نقول: كلما كانت المصلحة أقوى وأهم من هذه المفسدة المعنوية، فإن المصلحة تتقدم، وبهذا يجوز لنا أن نأخذ من أعضاء الميت حتى لو لم يرضَ أولياؤه، لأن الإنسان إذا مات تبطل علاقة كل الناس به، لا علاقة لأبنائه ولا لإخوانه ولا لأحد به، لأن الميت لا يورث، إنما تورث تركته، أما هو، فقد أصبح من هذه الأرض التي لا يملكها أحد إلا بطريقة معيّنة. لذلك، في الحالات التي يجوز فيها لنا أن نقتطع عضواً من أعضاء الميت بفعل ما ذكرناه، فليس للأهل علاقة بالموضوع، وليس من الضروري أن نستأذنهم"(4).

"وهناك نقطة ثالثة، وهي أن الميت قد يوصي ببعض أعضائه، كمن يعيش هذه المسؤولية في حياته، أو إذا كانت المسألة على الطريقة المعروفة في الغرب، بأن يوقّع شخص على ورقة تتضمن موافقته على نقل أعضاء منه بعد وفاته، بحيث يكون جادّاً في توقيعه، لأن بعض الناس يوقّعون دون أن يقرأوا ما يوقّعون عليه، وإنما يوقّعون تمشيةً للحال، ولكن هذا لا يُعتبر له قيمة، لأنهم لا يقصدون ذلك جدياً، أما في حال كانوا يعرفون ماذا يفعلون، فإنَّ هذا يُعتبر بمثابة الوصية، وإذا أوصى الإنسان، فليست هناك مشكلة من ناحية الاحترام، لأن الإنسان يُحترم من خلال الحرمة الذاتية له، فإذا أهدر هو احترام نفسه، وإذا أوصى بذلك، فمعنى ذلك أنه قد تنازل عن هذه الحرمة أو هذا الاحترام، فلا مشكلة عندئذٍ، لأننا لن نكون ملكيين أكثر من الملك، فيجوز ذلك. لذلك، ليست المسألة مغلقة في هذا المجال، ويجوز لنا أن نأخذ من أعضاء الميت في الحالات التي تتوقّف عليها الحياة، وذلك عندما يكون زرع هذا العضو في جسم الحي له أهمية تتجاوز أهمية المفسدة المترتبة، وفي حالات الوصية، لذلك، لا مشكلة في هذه الناحية"(5). وقد تأخذ المسألة هنا صفة الإيثار والإحسان، وهذا أمرٌ محمود شرعاً، وذلك كما في قوله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}[الحشر:9](6).

في حال الحياة

"وأمّا في حال الحياة، فهناك من الأعضاء ما لا يشكل خطراً على حياة الإنسان، وإذا كان نقل عضو ما، بحسب الواقع الطبي، مما لا يثير الخطر على المتبرع، فلا مانع من ذلك، ولكن التحفظ عندنا ناشئ من جهة الاتجار بالأعضاء الإنسانية، وربما نلاحظ أن بعض الفقهاء، وفي بعض الحالات المستعصية والصعبة، والتي تبلغ حداً فوق العادة، يجيزون للإنسان التبرع بعضو حيوي، كالعين، لإنسان آخر، وهذه تفاصيل تدرس وفق حيثياتها وأسسها وظروفها"(7).

وفي جانب آخر، يؤكد سماحته أنه يجوز لشخص أن يعطي أحد أجزاء جسده قبل الوفاة بلحظات، وذلك كما في قوله: "يجوز له أن يوصي بذلك قبل الوفاة، فإذا كان المراد من الوفاة توقّف نبضات القلب مع موت الدماغ، فيجوز التبرّع قبل الموت، إلا إذا كان هذا العضو حيوياً بحيث يؤدي إلى الوفاة، فلا يجوز"(8). ولكن سماحته لا يجيز بيع الأعضاء بثمن معين، ويعتبر أن "البيع باطل. نعم، في التنازل عنها أو الوصية بها... فليس مشكلة"(9).

زرع قلب خنـزير في جسم الإنسان:

أما بالنسبة إلى زرع قلب الخنـزير وأجزاء أخرى منه في جسم الإنسان، فقد أجاز سماحته ذلك بقوله: "نعم، يجوز ذلك، وإذا صار عضو الخنـزير عضواً من أعضاء الإنسان، صار حكمه حكم أي عضو من أعضائه الأصلية"(10)، "ويكون حكمه حكم بقية أعضاء الجسم طاهراً"(11)، "فالحرمة في أكل لحم الخنـزير لا في زرع بعض أجزائه في جسم الإنسان، ولا سيما في حال الضرورة"(12).

بين القانون وحكم الشرع:

وفي حالة التعارض بين القانون والشرع، كما في حال توفي شخص في المستشفى، وكان هناك شخص آخر بحاجة إلى زرع قرنية لعينه، فلو تم استخراجها من عين المتوفى وزرعها للشخص المحتاج لها، ثم أقام أهل المتوفى دعوى ضده، في ذلك يقول سماحته: "نحن نتكلم من ناحية المبدأ، هل يجوز أو لا يجوز؟ أما ما حكم القوانين، فتلك مسألة أخرى، وأعتقد أنهم عندما يشتكون عليه، فإنهم يشتكون للمحاكم المدنية، ولو أنهم قدموه إلى مكتبنا الشرعي، لكان هناك مجال للحديث بطريقة أخرى تختلف عن تلك"(13)، أما طريقة حل التعارض، فهي، في رأي سماحته، أن يخضع القانون المدني لهذه القوانين الشرعية(14).

موقع بينات

تعليقات:

    التعليقات ترد بشكل فوري من خلال هوية المتصفح على الفايس بوك. وهي من مسؤولية أصحابها الذين نأمل منهم الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.