
المرحوم أبو رضا حسين محمد يوسف (عواضة) 1937 - 2024
من سردا إلى بيروت ثم العودة إلى الخيام، ابن المزارع الذي اختار التنجيد
ولد حسين محمد يوسف، المعروف بـ«أبو رضا المنجد»، سنة 1937. كان والده مزارعاً يضمن الأراضي في منطقة سردا، حيث كانت الزراعة تتطلب جهداً جسدياً كبيراً ولا توفر سوى دخل متواضع بسبب شح المياه والاعتماد على الزراعات الموسمية.
منذ صغره، شعر حسين أن الزراعة ليست المهنة التي يريد أن يمضي فيها حياته. أخذ يراقب أصحاب الحرف المختلفة، فأعجبته مهنة التنجيد بما فيها من فن ودقة وجمال، وعقد العزم على تعلمها.
رفض المنجد الأول
كان أول من قصده حسين هو علي حسن قاسم «الشطوط»، وطلب منه أن يسمح له بمرافقته وتعلم الصنعة على يديه.
لكن «الشطوط»، المعروف بطباعه الخاصة ورفضه تعليم المهنة لأحد، رفض الطلب من دون نقاش. ولم يؤد ذلك إلى تراجع حسين، بل زاده إصراراً على تحقيق هدفه.
الرحلة إلى بيروت
استأذن حسين والديه وغادر إلى بيروت بحثاً عن منجد يقبل بتعليمه. استضافته خالته، زوجة محمد موسى كلش، لكنها عاتبته على ترك والديه، ولا سيما أن والدته كانت شديدة التعلق به.
في صباح اليوم التالي ذهب إلى منطقة المصيطبة، التي كانت تضم عدداً كبيراً من محلات التنجيد. دخل أحد المحال وراح يراقب المعلم وهو يعمل.
سأله المنجد عن حاجته، فأجابه حسين بخجل: «أريد منك أن تعلمني التنجيد».
لكن صاحب المحل رفض، بحجة أن المكان ضيق وأنه لا يحتاج إلى عامل، ثم طلب منه مغادرة المحل.
صدفة غيّرت حياته
بينما كان حسين يستعد للمغادرة، دخلت زوجة المنجد حاملة فطور زوجها. وما إن رأته حتى عرفت أنه من أبناء الخيام، فهي ابنة حسين الباشا الخيامية.
سألته عن سبب وجوده، فأخبرها أنه يريد تعلم التنجيد، لكن زوجها رفض. فتدخلت لدى زوجها، المنجد حسن الباشا، وقالت له إن حسين عزيز على أهلها وإن أسرته من أصحابهم.
استجاب حسن الباشا لرغبتها، وطلب من حسين الحضور إلى العمل في صباح اليوم التالي.
تلميذ سريع التعلم
حضر حسين باكراً، وبدأ بتنظيف المحل وترتيبه والاهتمام بمدخله، وفي الوقت نفسه كان يراقب حركة يدي المعلم بدقة.
بعد أيام قليلة، سمح له حسن الباشا بتنجيد لحف الأطفال لصغر حجمها. وعندما جاءت النتيجة ناجحة، ازدادت ثقته به، فأصبح يكلفه بأعمال أكبر.
وخلال شهرين فقط، اكتسب حسين خبرة كبيرة. وبعد نحو سنة من العمل في بيروت، قرر العودة إلى الخيام سنة 1958، حيث استقبلته والدته بفرح وشوق كبيرين.
منجد الخيام الثاني
بدأ أبو رضا يمارس المهنة في الخيام ومحيطها، وسرعان ما ذاع صيته بسبب نعومة أعماله وجمال التصاميم التي تعلمها في بيروت.
وعلّم أخاه علي مهنة التنجيد، فقسّما مناطق العمل بينهما. تسلم علي سوق مرجعيون ودبين وبلاط، بينما عمل حسين في الخيام والقليعة ودير ميماس.
وكان أبو رضا يشتري أقمشة الفرش واللحف من متجر عبد الرسول صادق بالتقسيط، ثم يبيعها لزبائنه مع خدمة التنجيد، فزاد بذلك دخله وأرباحه.
الوفاء للمعلم
بعد انتشار الإسفنج وتطور صناعة المفروشات، تراجع عمل حسن الباشا في بيروت، فجاء إلى الخيام وطلب مساعدة تلميذه السابق.
لم يتردد أبو رضا، وقال له: «أنت صاحب فضل علي، وأنا لا أنسى الذين يتفضلون علي».
ومنذ ذلك الوقت، كان الاثنان يلتقيان صباحاً في ساحة الخيام، وينطلقان سيراً على الأقدام إلى القليعة أو راشيا الفخار أو مرجعيون، إذ كانت سيارات الأجرة لا تزال قليلة.
تجربة الكويت والعودة إلى الأم
عندما أصاب الركود مهنة التنجيد في القرى، سافر أبو رضا إلى الكويت، وعمل هناك نحو ثلاثة أشهر.
لكن والدته كانت تبكي كلما تواصل معها، وتسأل من يغسل له ثيابه وماذا يأكل ويشرب. فتأثر بحزنها وقرر العودة.
وعندما رأته عانقته وقالت له: «ابقَ هنا يا حسين، الله يلعن المصاري ويلعن ساعتها».
استجاب لرغبتها واستأنف عمله في الخيام. ومع تحسن السوق، أصبح إنتاجه اليومي يصل إلى 15 ليرة، في وقت كان العامل الزراعي أو عامل البناء يتقاضى نحو ثلاث ليرات ونصف في اليوم.
المهنة التي أصبحت اسماً للعائلة
التصق لقب «المنجد» باسم أبي رضا، ثم انتقل إلى أبنائه وأحفاده للتمييز بينهم وبين سواهم، كما حدث مع كثير من المهن التي تحولت بمرور الزمن إلى أسماء عائلات، مثل النجار والحداد والسكاف واللحام والدهان والحطاب والبستاني.
وبذلك لم تعد مهنة التنجيد مجرد وسيلة للرزق، بل أصبحت جزءاً من هوية عائلية ومن ذاكرة الخيام الاجتماعية.
أفول المهنة وبقاء الذاكرة
مع انتشار الإسفنج والفرش الجاهزة والمفروشات المصنعة في المدن، بدأت الحاجة إلى المنجد التقليدي تتراجع تدريجياً.
وبعد العودة من التهجير سنة 1982، بقي قوس أبي رضا في المخزن مدة من الزمن، ثم باعه إلى أحد المنجدين، وكأن رحيل القوس كان إعلاناً عن نهاية مرحلة كاملة من تاريخ الحرفة.
لكن المهنة لم تختفِ من ذاكرة الخيام. فلا تزال حكايات المنجدين، وصوت القوس، ورائحة الصوف المغسول، وزخارف اللحف، واجتماع الأطفال حول المنجد، حاضرة في ذاكرة الأجيال.
لقد كانت مهنة التنجيد شاهداً على نمط حياة كامل، وعلى زمن كانت فيه الأشياء تُصنع داخل البيوت، وتُحفظ وتُجدد، ويشارك أفراد الأسرة جميعاً في إعدادها.
مصادر البحث:
حسين محمد يوسف «أبو رضا المنجد»
الحاج خليل علي موسى خريس
الأستاذ فايز أبو عباس
كمال محمد علي القلوط
حسين علي رشيدي
صباح حسن عبدالله
زكي ونا
إعداد: المهندس عدنان سمور
إقرأ أيضاً، من ذاكرة الخيام.. حكاية مهنة التنجيد ورجالاتها في البلدة:
التنجيد حرفة تجمع بين الذوق والمهارة (ج1)
من غسل الصوف إلى صناعة الفرش واللحف (ج2)
علي حسن قاسم «الشطوط»… أول منجد خيامي (ج3)
من ذاكرة الخيام.. أبو رضا المنجد (ج4)

المرحوم أبو رضا حسين محمد يوسف (عواضة) 1937 - 2024
الخيام | khiyam.com
تعليقات: