
الدكتور علي عواضة: عندما اقترب موعد انتقالي إلى التقاعد، احتسبتُ قيمة الريع السنوي الذي كنت أتقاضاه من الكتب التي ألّفتها أو شاركت في تأليفها فتبيّن لي أنّ هذا الريع يعادل راتب شهر تقريباً. لكن، مع الانتقال إلى التقاعد، أصبح ذلك كلّه هباءً منثوراً
في الحلقتين السابقتين، استعاد الدكتور علي عواضة جانباً من ذكرياته الدراسية، بدءاً من أيام التعليم في الخيام، ودور المربّي الراحل علي حسين عبدالله في النهوض بالمستوى التعليمي لأبناء البلدة، مروراً بتجربته مع امتحانات الشهادة الابتدائية «السرتفيكا»، وما رافقها من مواقف لا تزال حاضرة في ذاكرته.
ثم انتقل إلى الحديث عن التحاقه بمعهد المعلّمين العالي عام 1960، والصعوبات التي واجهها في متابعة دراسته الجامعية باللغة الفرنسية، والتي اضطرّته إلى إعادة كتابة دروسه وشرحها بأسلوبه الخاص، حتى يتمكّن من استيعابها. ثم نيله منحة من الدولة الفرنسية لدراسة الدكتوراه في فرنسا.
وبعد تخرّجه في باريس وعودته للتدريس في كلية العلوم بالجامعة اللبنانية عام 1969، حمل معه هاجساً أساسياً: كيف يمكن أن يوفّر على طلابه المشقّات نفسها التي عاناها خلال دراسته؟
وفي هذه الحلقة، يروي كيف تحوّل ذلك الهاجس إلى تجربة جديدة في إعداد المطبوعات الجامعية، وما واجهه من تحدّيات تقنية وأكاديمية، وصولاً إلى انتشار هذه التجربة بين زملائه الأساتذة.
المطبوعات الجامعية... وسيلة لتسهيل التعلّم
الطريقة المثلى هي حصر اهتمام الطالب بالاستماع إلى شرح المدرّس، الذي قد يتضمّن الكثير من الإسهاب والنصائح وغيرها، على أن تكون بين يديه وثيقة تحتوي على المضمون الأساسي لمادة الدرس، على شكل مطبوعة.
إلّا أنّ إنجاز هذا الأمر كانت تعترضه مشكلتان: الأولى تتعلّق بطباعة مواد تتضمّن المعادلات والرموز الرياضية، والثانية بمواجهة موقف الزملاء الأساتذة من خطوة لم تكن مألوفة في تقاليد التعليم الجامعي الفرنسي، وتقضي بوضع مخطوطة تتعلّق بالدرس بين يدي الطالب.
التحدّي التقني... طباعة المعادلات والرموز الرياضية
بالنسبة إلى المشكلة الأولى، لم تكن المطابع في لبنان تمتلك الجاهزية اللازمة لطباعة المعادلات والرموز الرياضية.
ولذلك، كان لا بدّ من «اختراع» طريقة خاصة لإنجاز هذا العمل، وهو أمر تطلّب جهداً شخصياً معقّداً ومتعباً.
ولا أرى فائدة من الإسهاب في شرح التفاصيل التقنية لهذه المسألة.
تقاليد التدريس الجامعي وموقف الأساتذة
أمّا معالجة موقف الأساتذة، فكانت ترتبط بتقليد متّبع منذ زمن بعيد، يوم كان الأساتذة يرتجلون الشرح، والطلاب «منقّايين عالطبلية».
لكنّ التعليم الجامعي أصبح لاحقاً جماهيرياً، ولم تعد تلك الأساليب ملائمة بالضرورة للأعداد المتزايدة من الطلاب.
وممّا شجّعني على المضيّ في هذه التجربة أنّني علمت أنّ الاتحاد الوطني لطلاب فرنسا بدأ ينشر مخطوطات يسجّلها طالب مستمع، من الطلاب المتفوّقين، لمحاضرات أستاذ معروف.
وخلاصة الأمر أنّ المحاضر، وفق التقليد السائد، لم يكن يفصح عن مصادر معلوماته أو مراجعها، حتى بدا الأمر وكأنّه صفة مميّزة للتدريس الجامعي.
كيف تجاوزتُ الاعتراضات المحتملة؟
كان من المتوقّع أن تتوالى انتقادات بعض الزملاء، وأن تكون الحجّة الطبيعية أنّ الدافع وراء إعداد المطبوعات هو تحقيق منفعة مادية.
وربّما كان هناك أيضاً تخوّف من نجاح التجربة، وما قد يترتّب عليه من مطالبة الطلاب لأساتذة آخرين باتّباع الأسلوب نفسه.
ولتفادي هذا «المطبّ»، كان لا بدّ من إيكال توزيع المطبوعات إلى أحد موظّفي الكلية، بحيث لا يكون هناك اتصال مباشر بيني وبين الطلاب في عملية البيع.
كما تقرّر أن يكون سعر الكرّاس مساوياً لكلفة إنتاجه، من ورق وحبر وغيرها، مع إضافة نسبة عشرة في المئة لمصلحة الموظّف، لقاء العمل الإضافي الذي يقوم به خارج نطاق خدماته المطلوبة منه.
تجربة ناجحة في أكبر مدرّجات الكلية
سارت الأمور على أكمل وجه.
وكان الدرس الذي يُعطى في المدرّج A، وهو أكبر مدرّجات الكلية، ويتّسع لـ480 مقعداً، ويكون دائماً ممتلئاً، يبدو وكأنّه يُعطى في قاعة صغيرة لا تتّسع لأكثر من عشرين طالباً.
فقد أتاحت المطبوعات للطلاب متابعة الشرح بتركيز أكبر، من دون الانشغال المستمرّ بنقل كلّ ما يُكتب على اللوح أو يُقال خلال المحاضرة.
التطوّر التكنولوجي يفتح آفاقاً جديدة للتأليف
كانت الثورة التكنولوجية في أوجها مع بداية سبعينيات القرن الماضي، وقد طالت اكتشافاتها وتطوّراتها خطوط الكتابة، ولا سيّما ما يتعلّق بطباعة المعادلات والرموز الرياضية.
وأصبح من السهل إعداد المؤلّفات الرياضية وطباعتها، كما هي الحال بالنسبة إلى سائر المؤلّفات في المجالات الأخرى.
وبعد سنوات قليلة، انضمّ عدد من الأساتذة إلى تجربة التأليف، ومن بينهم أصحاب تاريخ طويل وباع واسع في نقل الكلية إلى مصافّ التطوّر والشهرة.
ومع اتّساع هذه التجربة، أصبح في مبنى الكلية ركن واسع مخصّص للقرطاسية والمؤلّفات الجامعية.
مؤلّفات كلية العلوم تصل إلى المدرسة الحربية
أذكر أنّه عندما تولّى جنادري رئاسة المدرسة الحربية، وعمل على تطوير برامج تعليم العلوم فيها، اشترت المدرسة مجموعة من مؤلّفات الكلية لتكون في متناول طلابها.
وكان ذلك دليلاً على أنّ تجربة التأليف الجامعي لم تبقَ محصورة في قاعات كلية العلوم، بل امتدّت فائدتها إلى مؤسسات تعليمية أخرى.
عائدات المؤلّفات... ومفارقة التقاعد
عندما اقترب موعد انتقالي إلى التقاعد، احتسبتُ قيمة الريع السنوي الذي كنت أتقاضاه من الكتب التي ألّفتها أو شاركت في تأليفها.
فتبيّن لي أنّ هذا الريع يعادل راتب شهر تقريباً.
لكن، مع الانتقال إلى التقاعد، أصبح ذلك كلّه هباءً منثوراً.
الدكتور علي عواضة
مواضيع ذات صلة:
د. علي عواضة: المدرسة الرسمية في الخيام.. بداية نهضة تعليمية رائدة
د. علي عواضة: من «السرتفيكا» إلى الإجازة.. ذكريات التعليم وأيام الدراسة في الخيام (1)
د. علي عواضة: من «السرتفيكا» إلى الإجازة.. ذكريات التعليم وأيام الدراسة في الخيام (2)
د. علي عواضة: من «السرتفيكا» إلى الإجازة.. ذكريات التعليم وأيام الدراسة في الخيام (3)
الخيام | khiyam.com