فايز أبو عباس: المجتمع الخيامي بين العهد العثماني والاستقلال.. الحياة الاجتماعية في الخيام (ج4)

الدكتور شكرالله كرم الذي لقب بـ«طبيب الفقراء»
الدكتور شكرالله كرم الذي لقب بـ«طبيب الفقراء»


يتناول هذا الجزء الرابع والأخير الحالة الصحية والتعليمية، والخدمات الاجتماعية، والتعاون، وبعض العادات والتقاليد والمناسبات في الخيام.

الصحة والطبابة

في فترة الحكم العثماني، كانت العناية الصحية لا تزال بدائية في الأرياف والقرى البعيدة عن الحواضر ومراكز القرار. وكانت الخدمات الطبية تتركز غالبًا في ما كان يسمى «البيمارستان»، وهي مراكز شبيهة بالمستشفيات في أيامنا.

أما في الأرياف والقرى والبلدات، فكان العلاج يجري لدى أشخاص لديهم خبرة ببعض الأمراض أو الظواهر المرضية، وكانوا يعتمدون على الأعشاب، أو الكي، أو الحجامة.

ومن وسائل العلاج التي كانت شائعة «كاسات الهواء»، وهي أكواب زجاجية توضع داخلها قطعة صغيرة قابلة للاشتعال، ثم تلصق فوهتها على جسم الإنسان، اعتقادًا بأنها تمتص المرض أو الألم من الجسم. وغالبًا ما كانت توضع على الظهر، ونادرًا على أماكن أخرى من الجسم.

أما كثير من الأمراض، فلم تكن أسماؤها أو أسبابها معروفة. فكثيرًا ما كانت الوفاة تنتج عن التهاب الزائدة الدودية وانفجارها داخل الجسم، أو بسبب التهابات المرارة أو الكبد أو البنكرياس، من دون معرفة السبب الحقيقي، فيقال عن المتوفى: «مسكين، تعلل ومات».

أما الأمراض السرطانية، فلم تكن معروفة على الإطلاق.

وكانت أمراض الأطفال كثيرة، وقد كان بعض الأطفال يلاقون حتفهم بسبب ارتفاع الحرارة، أو الإسهال، أو التسمم.

ومن كان يصاب بالتسمم، سواء نتيجة تناول بعض المأكولات أو بسبب لسعات الحشرات، كان يعالج بوسائل بدائية، كإعطائه ما يؤدي إلى الاستفراغ، أو يترك ليواجه مصيره بعد عدة أيام.

وكانت الأوبئة عندما تهاجم بلدة أو قرية، في ظل غياب العلاج واللقاحات، تقضي على أعداد كبيرة من السكان، مثل الجدري والكوليرا و«الهواء الأصفر» وغيرها من الأوبئة التي لم تكن معروفة الأسباب في تلك الأيام.

أما الأمراض الموسمية، مثل الإنفلونزا والرشح، فكانت تعالج بالأعشاب والمشروبات الساخنة.

وكان الرمد يعالج بمسحوق يسمى «الشبّة» وبعض أنواع الكحل، كما كانت الأمراض الصدرية والرئوية، التي تسبب السعال والحرارة، تعالج بوسائل شعبية.

وكذلك أمراض البلعوم و«بنات الأذنين»، التي كانت تعالج بالتمارين والتدليك بالأنامل.

وكانت القابلة القانونية تتولى معالجة الأمراض النسائية، أما «الطبيب العربي» فكان في بعض الأحيان بائع البهارات أو صاحب متجر في أسواق البزورية.

بداية الطب الحديث في الخيام

بقيت هذه الأوضاع سائدة في الخيام حتى مطلع القرن العشرين وفترة الانتداب الفرنسي، حين برز في الخيام طبيبان تخرجا من الجامعة الأميركية في بيروت، التي كانت تعرف آنذاك باسم «الجامعة السورية البروتستانتية».

كان الأول الدكتور شكرالله كرم، أما الثاني فكان طبيبًا من بيت جلبوط، وهو شقيق اللواء جلبوط، مدير الأمن العام السابق.

لكن الطبيب من بيت جلبوط لم يمارس عمله في الخيام، لأنه عُيّن طبيبًا في شركة نفط العراق في طرابلس وانتقل إليها.

أما الدكتور شكرالله كرم، فقد لقب بـ«طبيب الفقراء»، لأنه كان عندما يستدعى لمعالجة مريض لا يطلب أجرًا، إلا إذا عرض عليه المريض ذلك.

وبقي هذا الوضع قائمًا حتى نهاية خمسينات القرن الماضي، عندما تخرج الدكتور محمد علي أسعد مهنا طبيبًا في فرنسا، فعاد وأقام عيادة في الخيام.

لكنه لم يبق في الخيام بصورة دائمة، إذ عُيّن طبيب قضاء في وزارة الصحة في قضاء بنت جبيل، مع بقاء عيادته في الخيام. ثم نقل لاحقًا إلى وزارة الصحة، حيث تولى منصب مدير الوقاية الصحية.

أما الدكتور شكرالله كرم، فبقي طبيب الخيام الخبير بأمراض أبنائها وأهلهم وذويهم، إلى أن اغتيل واستشهد في عيادته أثناء الاجتياح الإسرائيلي الأول سنة 1977، على يد عملاء الاحتلال. رحمه الله.

وكان هناك أيضًا رجل خيامي ظريف من بيت كريم حمل لقب «الدكتور موسى الباشا». ولست أدري إن كان طبيبًا فعلًا، وما كان اختصاصه، إلا أنني أعتقد أنه كان طبيب أسنان، وربما تعلم المهنة في إحدى العيادات ومارسها، ثم عاد إلى الخيام وهو يحمل هذا اللقب. وقد سافر لاحقًا إلى البرازيل.

المطهّر

كان «المطهّر» حتى وقت متأخر من العهد العثماني وبداية الانتداب الفرنسي يحمل حقيبته الجلدية، ويزور البلدات والقرى مناديًا: «مطهّر، مطهّر».

وكان يجري عملية ختان الأطفال من دون تخدير، وبآلة حادة جدًا تشبه الموس، وبسرعة كبيرة، فلا يشعر الطفل إلا بقليل من الألم.

ثم يربط موضع الجرح بقطعة من القماش، بعد أن يرش عليه مادة شبيهة بالبودرة.

وبعد العملية، كان الطفل يرتدي نوعًا من الفستان، ويعفى من ارتداء البنطال أو أي لباس يمكن أن يضغط على موضع الجرح، لمدة أسبوع أو أكثر.

وكثيرًا ما كانت ترافق عملية الختان حفلة يدعى إليها الأهل والأقارب والأصدقاء، وتوزع خلالها الحلوى.

وفي الفترة الأخيرة، اشتهر في الخيام بهذه المهنة اثنان من خيرة أبناء البلدة وأمهر المطهّرين، هما أبو عدنان خليل عبود وخليل عواضة، وذلك منذ أواخر خمسينات القرن الماضي.

طب الأسنان

لم تعرف الخيام في تلك المرحلة طبيب أسنان متخرجًا من كلية طب، وكل ما كان موجودًا هو بعض أبناء البلدة الذين تعلموا هذه المهنة من خلال مرافقتهم لأطباء الأسنان والعمل معهم كمساعدين.

وكان أبناء الخيام يلجؤون لخلع الأسنان المؤلمة إلى المرحوم الحاج محمد حسن عواضة، الذي لم يكن يستعمل التخدير.

وكان يطيب خاطر المريض بقوله:

«بدك تتحمل وجع ساعة، ولا كل ساعة؟»

ثم يمسك بالكلّابة وينتزع الضرس أو السن بسرعة.

أما من كانت حالته أصعب، فكان يذهب إلى جديدة مرجعيون، التي كانت مركزًا لمختلف أنواع الأطباء ومركزًا حكوميًا رسميًا خلال العهود العثماني والفرنسي والاستقلال.

التربية والتعليم

أما التربية والتعليم، فقد أشبع هذا الموضوع بحثًا من قبل بعض الأصدقاء المشاركين في الموقع.

فمفهوم التربية والتعليم لم يكن واضحًا أو معممًا على جميع أراضي الدولة العثمانية، إلا في المدن الكبرى، وخصوصًا خلال العقد الأخير من عمر الدولة.

أما في الأرياف والقرى، فظل التعليم حتى عهد الانتداب الفرنسي مقتصرًا على ما يسمى «الكتاتيب».

وكان المعلم أو الشيخ يفتح الكتّاب في داره، ويقتصر التعليم فيه على قراءة القرآن الكريم وتجويده، وتعليم اللغة العربية وقواعدها، وبعض العمليات الحسابية.

أما في عهد الانتداب الفرنسي، فقد أصبح التعليم على الطريقة الفرنسية، وافتتحت أول مدرسة في الخيام سنة 1922.

وكانت المدرسة مختلطة في بدايتها، ثم تطورت من حيث مواد التدريس وعدد المعلمين.

ففي البداية، كان هناك معلم واحد وغرفة تدريس واحدة، ثم تعددت الصفوف، وتنوعت المواد، وتبدلت أماكن التعليم.

وبعد أن نال لبنان استقلاله، بدأ الاهتمام الجدي بالتعليم، وتطورت طرق التدريس في الخيام على مراحل، من حيث الكم والنوع والأساليب.

انتهى البحث.

فايز أبو عباس

لقراءة كافة أجواء هذا البحث:

الجزء الأول من المجتمع الخيامي بين العهد العثماني والاستقلال: بنية المجتمع والألقاب والبيوتات

الجزء الثاني من المجتمع الخيامي بين العهد العثماني والاستقلال: الموظفون والتجار وأصحاب المهن

الجزء الرابع من المجتمع الخيامي بين العهد العثماني والاستقلال: المهن الزراعية والخدمات اليومية

الجزء الرابع من المجتمع الخيامي بين العهد العثماني والاستقلال: الحياة الاجتماعية في الخيام

خلال ندوة للأستاذ فايز أبو عباس وإلى جانبه المهندس أسعد رشيدي
خلال ندوة للأستاذ فايز أبو عباس وإلى جانبه المهندس أسعد رشيدي


تعليقات: