صبحي القاعوري: أبو طوني.. أخوّة تتجاوز الطائفة ودرس لا ينسى في التربية

كنيسة الموارنة في الخيام، شُيدت عام 1913
كنيسة الموارنة في الخيام، شُيدت عام 1913


في منتصف خمسينيات القرن الماضي، غادر إلياس، الشاب اللبناني المعروف لاحقا بـ«أبو طوني»، إلى إحدى دول الخليج بحثا عن العمل، تاركا خلفه فتاة أحلامه ووعدا بالعودة والزواج منها.

هناك جمعته الغربة بشاب لبناني آخر يدعى علي «أبو حسين». عمل الاثنان معا، ثم افترقت مجالات عملهما بعد انتهاء الشركة التي كانا يعملان فيها، لكن صداقتهما ازدادت قوة حتى أصبحت أخوة حقيقية، قائمة على المحبة والوطن والإنسانية، بعيدا عن أي اختلاف ديني أو طائفي.

وخلال أحداث عام 1958، اتفقا على أن الحروب الطائفية لا تخدم الشعب، بل مصالح السياسيين والقوى الخارجية، وأن ما يجمع اللبنانيين أكبر من اختلافاتهم.

وفي عام 1959، عادا إلى لبنان وتزوج إلياس من فيوليت، وعلي من نور الهدى، ثم عاد الزوجان إلى بلد الاغتراب وسكنا في الطابق نفسه. وسرعان ما تحولت العلاقة بين العائلتين إلى أسرة واحدة، وتربى الأبناء على أن الإنسان لا يقاس بطائفته، بل بأخلاقه وإنسانيته.

ومع اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، اجتمعت العائلتان مجددا وأكدتا تمسكهما بالموقف نفسه: رفض الطائفية وعدم الانجرار خلف خطاب أمراء الحرب.

كبر الأبناء، وتفوقوا في دراستهم، وأصبح منهم الأطباء والمهندسون وأصحاب الشهادات العليا. وبقيت العائلتان مترابطتين حتى بعد العودة إلى لبنان.

وفي عام 2012 توفيت أم طوني. وخلال مراسم الجنازة وقف أبو حسين وعائلته إلى جانب عائلة الفقيدة لتقبل التعازي، فقال أبو طوني أمام الحاضرين:

«هذا أخي أبو حسين وعائلته. وجودهم معنا ليس لتقديم التعازي، بل لتقبلها، لأن الفقيدة أخت أم حسين، وأولادها أولادها أيضا».

وبعد وفاة زوجته، أراد أبو طوني أن يختبر أبناءه، فأخبرهم بأنه مدين بمبلغ كبير وأن منزله مرهون، وأنه قد يحتاج إلى السكن مع أحدهم. تردد أبناؤه الذكور، بينما سارعت ابنته ماري إلى استقباله قائلة إن بيتها بيته، وأيدها زوجها من دون تردد.

عندها جمع أبو طوني أبناءه وكشف لهم الحقيقة: لم يكن مدينا، ولم يكن منزله مرهونا، بل أراد اختبارهم ومعرفة ما بقي في نفوسهم من القيم التي ربّاهم عليها.

ثم أعلن أنه سجّل شقته وحسابا ماليا باسم ماري تقديرا لموقفها، بينما أبقى بقية ممتلكاته إرثا مشتركا بين الجميع.

وهكذا انتهى الاختبار الأخير كما بدأت الحكاية قبل عقود: لم يكن الامتحان في المال، بل في الإنسان والأخوة والوفاء والتربية.

الحاج صبحي القاعوري


هي حكاية طويلة بعض الشيئ، إليكم القصة كاملة:


أبو طوني (من الأرشيف)


كان إلياس شابًا لبنانيًا من إحدى القرى اللبنانية، لم يتجاوز العشرين من عمره، حين حمل غربته في أواسط خمسينيات القرن الماضي، ورحل إلى بلد خليجي، تاركًا خلفه فتاة أحلامه.

لم يكن رحيله نهاية لحكاية، بل كان بداية لوعد.

قطع على نفسه عهدًا أن يعود إليها، وأن تكون غربته طريقًا إلى ذلك اليوم الذي يجمعهما فيه الزواج، وطلب منها أن تذكره في دعائها، وأن تسأل الله له التوفيق في غربته.

وفي اليوم الثاني من وصوله إلى البلد المقصود، بدأ العمل عاملَ بناء في شركة إنجليزية.

ولحسن الحظ، جمعه سكن الشركة في غرفة واحدة بشاب لبناني يُدعى علي، كان قد سبقه إلى الغربة بشهر، ويعمل في الشركة نفسها كاتبَ دوام.

ولم تكن الغرفة التي جمعتهما تعرف يومها أنها ستشهد بداية صداقة ستتجاوز حدود المكان والزمان.

فمع مرور الأيام، أخذت أواصر الصداقة بين إلياس وعلي تمتد وتزداد قوة، حتى أصبح من الصعب على من حولهما أن يميز بين آرائهما المتقاربة ونظرتهما المتشابهة إلى الحياة.

وكان في تلك الصداقة شيء من تربية القرى التي نشآ فيها؛ تلك التربية التي تجعل الإنسان يرى في الإنسان أخًا، مهما اختلف العرق أو الدين، ما دام يجمعهما وطن ومحبة وإنسانية.

وفي أوائل عام 1958، أنهت الشركة الإنجليزية أعمالها، ودفعت لجميع موظفيها مستحقاتهم، فوجد إلياس وعلي نفسيهما أمام مرحلة جديدة من الحياة.

استأجر الاثنان غرفة في أحد أبنية سكن العزاب، وبدأ كل منهما يبحث عن طريقه.

كان إلياس قد أتقن مهنة البناء خلال عمله في الشركة، فقد كان جادًا في عمله، حريصًا على إتقانه، وكأنه يرى في كل خطوة يخطوها وفاءً للعهد الذي قطعه على نفسه لفتاة أحلامه.

اتجه إلى أخذ مقاولات صغيرة، من ترميم الأبنية إلى بناء الفلل، بينما اتجه علي إلى التجارة، فافتتح محلًا للمواد الغذائية.

وفي الأشهر الثلاثة الأولى، بدأ يظهر عند كل منهما نمو بسيط في عمله؛ نمو لم يكن كبيرًا في المال، لكنه كان كبيرًا في الدلالة.

فالإخلاص في العمل، والصدق، والأمانة، كانت رأس المال الحقيقي الذي بدأ به الرجلان طريقهما.

الاختبار الأول

جاء الاختبار الأول لصداقة إلياس وعلي في شهر تموز من عام 1958.

فقد اندلعت ما سُمّيت بالثورة، بقيادة ما سُمّي بالزعماء المسلمين ضد كميل شمعون وما سُمّي بالزعماء المسيحيين.

وفي إحدى الليالي، جلس إلياس وعلي على طاولة العشاء يتناقشان في الأحداث التي تعصف ببلدهما.

لم تكن المسألة بالنسبة إليهما مجرد أخبار تصل من لبنان، بل كانت وطنًا يشتعل، وأهلًا يدفعون الثمن.

وبعد نقاش طويل، توصلا إلى نتيجة واحدة:

أمورنا أكبر من أن تتأثر باختلاف الأديان.

وهذه الحرب ضحيتها الشعب، أما السياسيون المتناحرون نهارًا، والضاربون كؤوس الشمبانيا ليلًا على جماجم الضحايا، فما هم إلا بيادق على رقعة شطرنج تحركها بريطانيا وأمريكا كيفما تشاءان ومتى تشاءان.

وليس بمقدورنا سوى الدعاء لإصلاح الشعب، ونبذ الطائفية، والعودة إلى الوطن.

كان ذلك موقف شابين في الغربة، لكنهما كانا يريان وطنهما من مسافة بعيدة بوضوح ربما لم يكن متاحًا لمن يعيش وسط ضجيج الأحداث.

ومضت الحياة.

سارت أعمال إلياس وعلي سيرًا حسنًا، كلٌّ في مجاله، واستمر نمو ثروتهما المالية، وكان الفضل في ذلك يعود إلى الأمانة والإخلاص في العمل.

وكان كل نجاح يحققه أحدهما يُشبه نجاحًا للآخر؛ فما جمعهما لم يكن المال، وإنما تلك الأخوة التي بدأت قبل أن يكون لأي منهما مالٌ يستحق الذكر.

عودة إلى الوطن

وفي شهر ديسمبر من عام 1959، قرر إلياس وعلي النزول إلى لبنان للزواج، كلٌّ من فتاة أحلامه.

اختارا فترة أعياد الميلاد ورأس السنة، لتكون الفرحة فرحتين، ولتغمر السعادة الأهل والأصدقاء.

وفي الوقت المحدد، تم عقد قران إلياس على فيوليت، وعلي على نور الهدى.

وبعد إتمام الإجراءات الرسمية، بما في ذلك جوازات السفر، عادا إلى مقر عملهما، وقد بدأ كل منهما يستعد لحياة جديدة.

كان عليهما أن يجهزا سكن الزوجية.

وحالفهما الحظ، كما حالفتهما النية الحسنة التي يكنها كل واحد منهما للآخر، فاستأجر كل منهما شقة في عمارة سكنية حديثة الإنشاء، وفي الطابق نفسه.

وفي أقل من شهر، كان عش الزوجية قد اكتمل وأصبح جاهزًا لاستقبال العروسين.

ثم عاد إلياس وعلي إلى لبنان، ولكن هذه المرة لم يعودا وحدهما؛ فقد عادا لاصطحاب عروسيهما إلى بلد عملهما.

وفي اليوم نفسه من وصولهما إلى بلد الإقامة، وعلى طاولة العشاء، رحب علي بالعروسين، وتمنى لهما حياة سعيدة.

ثم خاطبهما قائلًا إن عليهما أن تكونا أختين بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، كما هو الحال بينه وبين إلياس، وأن تسيرا على النهج نفسه، وألا تستمعا إلى القيل والقال، ولا سيما ما يتعلق بما حدث وما قد يحدث من حروب أهلية بين المسلمين والمسيحيين.

فمثل هذه الحروب، كما قال، لا تخدم الوطن، وإنما تخدم محبي الكراسي والسلطة والمال، ولا ينبغي أن يكون الشعب وقودًا لها خدمةً لمصالح الفاسدين.

وكانت تلك الكلمات التي قيلت على مائدة العشاء أكثر من نصيحة لعروسين.

كانت قاعدة حياة.

ومع مرور الأيام، ازداد التقارب بين فيوليت ونور الهدى، حتى أصبحت العلاقة بينهما أخوة حقيقية، لا مجرد علاقة فرضها زواج الرجلين.

وتقاربت أفكارهما، ولا سيما فيما يتعلق بهوية الوطن؛ هوية الوطن الذي ينتمي إليه أبناؤه، لا هوية رجال الكراسي.

وهكذا سار بيتا إلياس وعلي كما سار صاحبا البيتَين من قبل.

جيل جديد

في شهر أكتوبر من عام 1960، ولدت فيوليت مولودًا ذكرًا أسمياه "طوني".

وبعدها بأسبوع، ولدت نور الهدى مولودةً أنثى أسمياها "فاطمة".

ثم توالت الولادات.

ولدت "زينب" عام 1961، وولد "حسين" عام 1962، وكذلك ولد "جورج" عام 1961، و"جوزيف" عام 1962.

وبعدها قرر أبو طوني التوقف عن الإنجاب.

لكن أبا حسين لم يقتنع بقراره، وظل يحاول إقناعه بالتراجع، ويدعوه إلى أن يدعو الله، والسيدة العذراء مريم، والسيد المسيح عليهم السلام، أن يرزقه بابنة تكون إلى جانبهما وتعتني بهما عند الكبر.

وظل أبو حسين يُلح عليه، حتى تراجع أبو طوني عن قراره.

وولد "أحمد" في أكتوبر من عام 1963.

ثم استجاب الله دعاء أبي طوني وأم طوني، ورزقهما مولودةً أنثى أسمياها "ماري"، وكان ذلك في شهر أغسطس من عام 1964.

وفي العام نفسه، وفي شهر نوفمبر، ولد "عباس".

عندها قرر أبو طوني وأبو حسين إيقاف الإنجاب.

وبدأت مرحلة جديدة في حياة أم طوني وأم حسين؛ مرحلة التربية والتأسيس، والسير بالأبناء على النهج الذي سار عليه الآباء والأمهات.

فالأبناء لم يكونوا مجرد أفراد يكبرون في بيتين متجاورين، بل كانوا يكبرون داخل فكرة.

فكرة أن الإنسان يُقاس بما يحمل في قلبه، لا بما يحمله اسمه من طائفة أو دين.

الاختبار الثاني

وفي عام 1975، اندلعت الحرب الأهلية مجددًا في لبنان، بين المسيحيين والمسلمين، وعلى نطاق واسع.

وكان ذلك الاختبار الثاني لأبي طوني وأبي حسين، بل كان اختبارًا للعائلتين بأكملهما.

وبعد مضي شهر على الأحداث، وقبل أن تستفحل الأمور، وكان الأولاد قد أصبحوا في حالة من العلم والمعرفة، اجتمعت العائلتان لبحث الوضع ومدى تأثيره في النفوس.

جلس الجميع، وتحدث أبو طوني:

— اجتماعنا هذا لبحث ما يحدث في لبنان. وبعد مضي شهر على الاقتتال، يتضح أن الأمور تتجه إلى التأزم، والظاهر أنها ستطول. والمعلن أنها حرب مسيحية إسلامية، والحقيقة كما أراها أنها من أجل إعادة تموضع رؤوس الفساد، وربما تغيير النظام السياسي أو جزء منه، والشعب سيكون ضحية هذا التقاتل.

ثم تابع:

— مشهد الجماهير أمام قصور أمراء الحرب، تهتف: "بالروح بالدم نفديك يا زعيم"، ويطل الزعيم من شرفة قصره، وبجانبه زوجته وابنه وابنته، ويبتسم تلك الابتسامة الصفراء التي شاهدناها على شاشات التلفزة، وكأنه يقول: نحن محظوظون بهذا الشعب الغبي.

ثم قال:

— إذًا، هذه الحرب ليست لصالح الوطن، وعطاؤها الطائفي يخدم مصالح شخصية ومصالح دول خارجية، وبالتالي نحن براء منها.

وافق الجميع على ذلك الأساس المتين الذي انتهجوه منذ البداية؛ أساس لا تهزه العواصف مهما بلغت سرعتها.

وكانت تلك التربية قد بدأت تؤتي ثمارها.

فالأطفال الذين كانوا يومًا على مائدة العشاء يسمعون حديث الآباء عن الوطن والطائفية والإنسانية، أصبحوا الآن قادرين على فهم معنى ذلك الكلام، لا مجرد سماعه.

ثمار التربية

كبر الأولاد.

اجتاز طوني وفاطمة مرحلة الثانوية والتحقا بكلية الطب، ليتخصص بعدها طوني في جراحة القلب، وفاطمة في أمراض النساء.

وتلاهما جورج، الذي التحق بكلية الهندسة المعمارية، ونال بعدها درجة الدكتوراه في إدارة المشاريع.

والتحقت زينب بكلية الطب لأمراض العيون، ثم تخصصت في الشبكية.

وحصل جوزيف على الماجستير في الاتصالات.

وحصل حسين على الدكتوراه في السياسة والاقتصاد.

وحصل أحمد على الدكتوراه في هندسة الكهرباء.

وأصبحت ماري أستاذة في تربية النشء.

وأخيرًا، تخصص عباس في الأمراض المستعصية.

انتهت مرحلة الدراسة، وبدأت مرحلة العمل، ثم بدأت مرحلة أخرى لا تقل أهمية: التفكير في بناء الأسرة.

وكان طوني أولهم.

اختار شريكة حياته، وقبل الإعلان عن الخطوبة، أراد أن يضع أمامها الأساس الذي تربى عليه.

فقال لها:

— أحب أن أطلب منك طلبًا قبل الإعلان عن الخطوبة، وهذا ليس شرطًا: أن تعاملي أبي وأمي كما تعاملين أباك وأمك. وبالمقابل، سأكون أنا كذلك. وإذا حدث أي سوء فهم بينك وبين والدي أو إخواني وأخواتي، تناقشيه بصراحة، وكلنا يتقبل النقد والاعتذار عن الخطأ. هكذا تربينا.

قالت:

— موافقة، ولكن اسمح لي أن أسألك: كم أخًا وأختًا لك؟

قال:

— جورج، جوزيف، وماري، وفاطمة، وزينب، وحسين، وأحمد، وعباس.

ولم يترك لها مجالًا للسؤال عن الكيفية التي يكون بها هذا الترابط، بل شرح لها أن أمه هي أمهم، وأمهم هي أمهم جميعًا، وأن الجميع يسير على النهج نفسه.

حين أصبح الأبناء آباء

تزوج طوني عام 1994، وأهداه أبو طوني شقة تمليك وسيارة من طراز السنة.

وبين عامي 1994 و1999، كان الجميع قد تزوجوا، وكانت ماري آخر من تزوج.

وقد وهب أبو طوني كلًا من جورج وجوزيف شقةً وسيارة، ووهب ماري سيارة.

وكذلك فعل أبو حسين مع فاطمة وزينب.

وفي أواخر عام 1999، قرر أبو طوني وأبو حسين تصفية أعمالهما والعودة إلى لبنان.

وقبل نهاية عام 2000، كانا قد عادا واستقر كل واحد منهما في شقته، البالغ قيمة كل واحدة منها نصف مليون دولار.

ومع العودة إلى الوطن، لم تعد الغربة تجمع الرجلين، لكنها لم تكن قد فرّقت بينهما يومًا.

استمر التواصل، وبقيت الأخوة كما بدأت؛ أكبر من المكان وأبعد من المسافات.

الرحيل

وفي صباح أحد أيام شهر تموز من عام 2012، استيقظ أبو طوني.

لكنه لم يستيقظ على صباح جديد.

استيقظ ليرى بجانبه أم طوني جثة هامدة.

كانت لحظة تختصر في صمتها سنوات طويلة من الحياة.

اتصل فورًا بأخيه أبي حسين، ثم اتصل بالأولاد.

حضر الجميع، ونُقل الجثمان إلى المستشفى الذي يعمل فيه الدكتور طوني.

وبعد صدور تقرير الطب الشرعي، الذي أفاد بأن سبب الوفاة هبوط حاد في الدورة الدموية، تم تجهيز الجثمان لنقله في اليوم التالي إلى بلدة أبي طوني.

تحرك الموكب، وكان رتل من السيارات يسير خلف سيارة نقل الموتى.

ووصل الجثمان إلى كنيسة البلدة لإقامة مراسم الجنازة.

كان في الصف الأول أفراد عائلة أبي طوني، وبجانبهم عائلة أبي حسين.

وكان مطران يترأس الجناز.

طلب أبو طوني من المطران أن يلقي كلمة، ثم التفت إلى الحضور، شاكرًا لهم حضورهم.

وكانت هناك تساؤلات تدور في نفوس البعض عن أولئك الأشخاص الذين لا يعرفونهم، والذين يقفون إلى جانب العائلة لتقبل التعازي.

فقال أبو طوني:

— هذا أخي أبو حسين وعائلته، وقد تآخيت معه عام 1955 على قاعدة: أخ لك في الخلق والإنسانية والمحبة والوطن.

ثم قال:

— وجودهم معنا ليس لتقديم التعازي، بل لتقبل التعازي بالفقيدة، لأن الفقيدة أخت أم حسين، وأولاد الفقيدة هم أولاد أم حسين.

كانت الجملة قصيرة.

لكن خلفها سبعة وخمسون عامًا من الأخوة.

الاختبار الأخير

بعد خمسة عشر يومًا من وفاة أم طوني، ذهب أبو طوني إلى بيت ابنه طوني.

جلس معه، ثم قال:

— يا ولدي، أريد مصارحتك بأنني اقترضت في الماضي مليون دولار من صديق، مقابل رهن الشقة والفيلا في بلدتنا، على أن يتم تنفيذ الرهن أو سداد القرض بعد شهر من وفاة أحدنا، أنا وأمك. هل آتٍ لأسكن عندك؟

قالت زوجة طوني:

— يا عمي، أنت تاج رأسنا، وأنت كما ترى، الشقة من غرفتين؛ واحدة لنا والثانية للأولاد.

وهنا تدخل طوني وقال:

— يا أبي، شوف، جوزيف ابنه ما زال صغيرًا، وأنا وإخواني نتكفل بكافة المصاريف.

وكان ذلك أيضًا موقف جورج وجوزيف.

بل زاد جوزيف عرضًا بأن يدخله دارًا لكبار السن.

لم يقل أبو طوني شيئًا.

وفي اليوم التالي، اتجه إلى بيت ابنته ماري، ووضعها في الصورة.

قالت له:

— يا مرحبًا، البيت بيتك، وأنا في خدمتك.

قال:

— يا ابنتي، خذي رأي زوجك.

قالت:

— رأي زوجي محل احترامي، ولكن هذا أمر شخصي، وإذا لم يوافق، فإني أستأذنه بأن أترك البيت وأستأجر شقة، وآخذ الطفلة معي.

وهنا تدخل أنطوان، زوج ابنته، وقال:

— لو لم تأخذ ماري هذا الموقف، لكنت اتخذته أنا. البنت التي لا تتخلى عن خدمة والدها في كبره لا يمكن أن تتخلى عن زوجها.

كان ذلك الموقف مختلفًا.

لكن أبو طوني لم يُظهر شيئًا.

دعا الأولاد وزوجاتهم، وماري وزوجها، إلى الحضور إلى بيته.

اجتمع الجميع.

وعندما اكتمل حضورهم، نظر إليهم أبو طوني وقال:

— أنا لست زعلانًا منكم على موقفكم.

ثم تابع:

— وأود أن أقول لكم: بعد ولادة جوزيف، قررت أنا والمرحومة أمكم عدم الإنجاب، ولكن أخي أبو حسين ألح عليّ بأن أدعو الله والعذراء والمسيح بأن يرزقنا بابنة.

وسكت لحظة، ثم قال:

— والله سبحانه وتعالى رزقنا بأختكم ماري.

ثم وضعهم أمام موقف أختهم ماري من الموضوع الذي كانوا جميعًا ينتظرون معرفة نهايته، وشرح لهم موقفها وموقف زوجها.

وقال:

— والآن عرفت سبب إلحاح أخي أبي حسين عليّ بإنجاب طفلة.

ثم قال:

— أنا لا ألومكم، ولا ألوم زوجاتكم، لأن ليس من واجبهم الشرعي خدمة أهل الزوج.

وبعد لحظات، كشف لهم الحقيقة:

— وأود إعلامكم بأني لست مديونًا لأحد، ولست راهنًا الشقة والفيلا.

ساد الصمت.

ثم قال:

— بل أردت اختباركم.

كانت تلك الكلمات هي الحقيقة التي لم يكن أحد يتوقعها.

فكل ما قيل، وكل ما حدث، وكل ذلك الخوف من ضياع البيت والمال، لم يكن إلا اختبارًا أراد به أبو طوني أن يعرف ماذا بقي في أبنائه من ذلك النهج الذي عاش عليه هو وأخوه طوال حياتهما.

ثم التفت إلى ماري.

وقال:

— وللموقف الذي وقفته أختكم ماري معي، سجلت الشقة باسمها، وحولت رصيد حسابي، البالغ خمسمائة ألف دولار، إلى حسابها.

ثم أكمل:

— أما الفيلا والأراضي، فتبقى إرثًا للجميع.

تفاجأ الجميع.

لم يكن المفاجئ بالنسبة إليهم أن هناك مالًا أو عقارًا.

كان المفاجئ أن أبا طوني، بعد كل تلك السنوات، كان لا يزال يواصل التربية بالطريقة نفسها التي بدأها مع أولاده منذ كانوا صغارًا.

أما ماري نفسها، فكانت أكثر الجميع تفاجؤًا.

وبينما وقف الجميع أمام الحقيقة الجديدة، بدا أن القصة التي بدأت قبل عقود، يوم كان إلياس وعلي شابين في الغربة، قد عادت مرة أخرى إلى نقطة البداية:

لم يكن الاختبار يومًا في المال.

كان الاختبار في الإنسان.

وفي الأخوة.

وفي التربية.

وفي ذلك العهد القديم الذي بدأ بين رجلين، ثم انتقل من جيل إلى جيل، حتى وصل إلى اللحظة التي كان لا بد فيها أن يثبت نفسه بالفعل.

الحاج صبحي القاعوري

الحاج صبحي القاعوري وكنيسة الروم الأرثودوكس، شُيدت عام 1950
الحاج صبحي القاعوري وكنيسة الروم الأرثودوكس، شُيدت عام 1950